الإثنين, 14 سبتمبر 2020 16:28

بضاعة الاستبداد الكاسدة...لا عسكرية ولا "إسلاموية"!! مميز

كتب بواسطة :

لافتة حملتها، أمس، مجموعة صاخبة معزولة، وإن كان لها امتدادات، في تظاهرة باريس، صرَحت بما يتكتم عنه بعض مُدَعي الديمقراطية..ولكن عداؤهم للصندوق مكشوف، مشكلتهم المزمنة مع قيم الإسلام الخالدة، ما هي هذه "الإسلاموية" التي سوَوا بينها وبين "العسكرية"، وكأنهما صنوان متكافئان أو متماثلان متطابقان، وكأن الاستبداد إما عسكري وإما "إسلامي"؟؟ فمن جلب الخراب على أوطاننا في الأزمنة المتأخرة، أليسوا هم من حارب الإسلام؟؟ وقد حل بأمتنا عار محاربة الإسلام من داخل بلاده كما لم يحدث حتى زمن التتار..

ثم نريد أن نعرف أكثر عن "الإسلاموية"، لتكونوا أكثر جرأة وصراحة..صحيح أنهم أقلية مريضة نفسيا مُصابة بحالة "رهاب الإسلام"، فزعة متوترة، لكنهم حاقدون مُسعَرو الحروب الأهلية، هل ظهر من الحراك ما جعلكم تستنفرون، على أقليتكم؟ أم هي مهمة كُلفتم بها من الدوائر المتربصة بالحراك؟؟ لكم أن تخلعوا قلوبكم وعقولكم، فلن تضروا الإسلام في شيء، فهو ماض في طريقه وإن حورب، والمستقبل له، ولن يخضع لأهوائكم، وكل محاولات "إصلاح" الإسلام (أي تحريفه) كما فُعل بالنصرانية واليهودية لم ولن تُفلح..قوة الإسلام في ذاته، لا تضره السهام ولا المطاعن، حتى وإن علا صياحكم، فلن يلتف الشعب إلى أصواتكم النشاز، لأنكم مرضى مهووسون منبوذون..

وإن كان حقدكم منصبا على "الإسلاميين"، ففي الحراك منهم كثر (والحديث هنا عن الحراك)، وهم جزء من التيار المحافظ، لكنهم أعقل وأنضج من أن تستدرجوهم لجحوركم المظلمة، وهم ناس من ناس، وقضيتهم الكبرى، اليوم وغدا، هزيمة الاستبداد وتمكين الشعب من الاختيار الحر، وهم ليسوا معنيين بأي نعيق أو معارك جانبية هامشية لإغراقهم في متاهاتها، ولن يقبل الشعب، عموما، بإهانة دينه، ويرى فيه عصمة أمره وفوق كل إيديولوجية، وأما إن أردتم إقصاء الدين وإبعاده عن الشأن العام، فهذا صنيع الاستبداد أنتم فيه سواء، لن يجد أوفى منكم في هذا ولن تجدوا أكثر حرصا عليكم منه..

وأما أن تعيَروا خصومكم بالعبارة السمجة: "الإسلام السياسي"، فالإسلام قبل الهجرة ومنذ تأسيس دولة المدينة قام على روح وسياسة ومقاومة، والإسلام منذ نبي الله محمَّد صلَّى الله عليه وسلّم كان دينا ودولة، ومنذ أن ظهر أقامة دولته، وإشكالية موقع الدولة في الإسلام ليست إشكالية في ثقافة المسلمين، فهي إشكالية غربية وافدة من ثقافات مجتمعات عاشت بعيدة عن المسيحية، ثمَّ دخلت المسيحية، ثمَّ أصبح هناك اشتباك بين الدين و الدنيا. فقضية دين ودولة لم تكن محل صراع، ومن ثمّ كلمة " الإسلام السياسي" ليست صحيحة في مجتمع المسلمين، لأنَّ الإسلام كان فيه سياسة منذ أول يوم قامت فيه الدولة، وكانت في ذلك سابقة على المسيحية التي لم تدخل في دولة إلاَّ بعد ظهور الدين المسيحي بثلاثة قرون.

وإذا نظرنا في المقابل إلى العلماني الغربي، تبيَّن لنا أنَّه في الوقت الذي يقول فيه إنه علماني غربي نجده أيضاً مسيحي، وللمسيحية دور كبير في صياغة أفكاره وحياته. و"الإسلام السياسي" أكذب عبارة يمكن أن تسمعها أو تقرأها، وكأن دولة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين ومن تلاهم مجرد جمعيات خيرية!! 

أما إن كان همَكم أن لا يحكم الإسلاميون، ولو تحالفتم مع الشيطان، فهذا الأمر للشعب وليس لسمومكم، ثم همَهم الأكبر (أكثر التيار المحافظ داخل الحراك)، اليوم، إنقاذ البلد من هذه السلطة المتهالكة، وتعلموا من تجربة مصر وقبلها التسعينيات ما يمنعهم من أي اندفاع أو تفرد أو تصدر أو هيمنة، وإن غاظكم تقدم وعيهم ونضج عقلهم واستفادتهم من الدروس القاسية، فلن تدفعوهم إلى حيث تريدون وترغبون... وهم في كل هذا بشر ممن خلق الله، يخطئون كما يخطئ غيرهم ولهم حظ من الصواب كغيرهم..

لكن لم هذا التحامل عليهم؟؟ مشكلتكم ليست مع "الإسلاميين"، حتى وإن لم يحكموا، حتى وإن غادروا السياسة، كلية، مشكلتكم مع الإسلام، وإنما تدلسون وتتسترون وتختبئون وراء لافتة موهمة مضللة لتخفوا حقيقة قصدكم، وتكذبون على الشعب لأنكم تخشون الانكشاف، فينبذكم، وأنتم أكبر عدو للديمقراطية وأكبر حليف للعسكرة والاستبداد.

وعقل المهزوم مُعرَض دائما لرسائل التشكيك من صنَاع عقله وفكره، تفقده الثقة بالنفس والثقة بالفكرة والموقف واللغة، فضلاً عن القدرة على تغيير مكانه في سياق التاريخ، وحتى حين تنفتح له الفرصة التاريخية للوجود أو التعبير عن النفس لا يحسنها، لأنه لم يتعود أن تكون له فكرة أو موقف، فضلاً عن مكان في العالم فهو لا يراه، ويلجأ للشكوى والطعن في قيمه، فهو مأسور بقيود الغالب المولع به، وبميراث الاستبداد المسلط عليه، لذا كان تحريره الفكري من الغضب ومن الغياب ضروريا للمشاركة الواعية التي يجب عليه أن يتعلمها لا من الكراهية، ومهما صب عليك آخرون أذاهم فتعلم كيف تعرف نفسك أولاً ويعرفونك ثانياً في عالم يصنع تفكيرك كما يصوغ المصطلحات التي تجري على لسانك لأن ثقافة التوتر قد تكون غاية المتربص والغالب ليلغي الوعي عندك ويجعلك تعيش عالم الغضب الدائم والاندفاع الدائم والكراهية وبالتالي العمى عن الغايات.

وهؤلاء ضحايا فكر التطرف اليميني الحاقد والانحياز والهجوم، ضحكوا على عقولهم حتى قبلوا تسميتهم للآخرين من بني وطنهم بما شاءوا. إنه يُسمح لهم، وفق الرؤية المسيحية الغربية، أن يسبوا ويقصوا أي تصرف إسلامي يضر بهم، ولكن لا يُجوزون لهم، وهم من خارج السياق المسيحي ودوائر نفوذه، نقد حقيقتهم، أو نقد دوافعهم وتصرفاتهم، يرحبون بك شامتا لكل ما هو "إسلامي"، ولكن ماذا عن تطرف معلن وموقف ديني مشهور، وادعاء رئيس مسيحي أن الله أوحى إليه أن يغزو العراق (بوش)، وكذا بلير كان صريحاً في شرح دوافعه الدينية في الحرب على العراق، وأخيرا ترامب يوم منع سكان سبع دول إسلامية من دخول أمريكا. لا يجرؤ كثير من الناس عندنا بهذه الحقائق لأن هناك فكرة مسبقة مصدرة لنا عن أسس التفكير الغربي مخادعة وغير إنسانية، يوم تجعلهم كلهم في سياق لا ديني، أو حين تجلعهم كلهم في سياق ديني فقط، ثم لأن المغلوب لم يتعود أن يقول خطابه هو، والغالب قد لا يسمح للمغلوب بالتنفس والتعبير عن رأيه، أو يصنع منه ببغاء يكرر ما يُلقنه له.

قراءة 397 مرات آخر تعديل في الإثنين, 14 سبتمبر 2020 19:06