الإثنين, 28 سبتمبر 2020 21:45

"المسألة الجزائرية"... أربعة محاور للتقدم نحو الأمام مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

ما يمكن تسميته بـ"المسألة الجزائريّة"، حسب رأيي، أو جذور الأزمة متعددة الجوانب التي نعيشها اليوم، مردّها إلى أربع محاور رئيسية، متداخلة فيما بينها:

- الجانب الأوّل هو التأسيس:

الدولة الجزائرية التي نعيش في إطارها ظهرت إلى العلن في خضمّ حرب تحريرية دمويّة، ليس من المستغرب أن الدول التي تبرز من أتون الحروب، تكون الغلبة فيها لأصحاب السلاح والقوة، على حساب أصحاب الرأي والفكرة. منطق التأسيس الذي شهدت تغلّب القوّة على الفكرة (جيش الحدود في مقابل الحكومة المؤقتة) تجذّر طوال السنوات التي تلت الاستقلال وأصبح سياسة دولة.

دولة تسيّرها المخابرات العسكرية، وجاءت العشرية السوداء لتزيد الطين بلّة، فبدل تغيير المقاربة والانفتاح أكثر، رأى النظام السياسي أن محاولة الانفتاح تحوّلت إلى فوضى أمنية شاملة، وبالتالي فالمطلوب هو المزيد من التضييق، المزيد من القوة، المزيد من تضييق هامش النشاط، المزيد من النفوذ لصالح أصحاب القوة مع خنق أصحاب الفكرة والرأي.

- الجانب الثاني، هو الأنموذج الاقتصادي الريعي:

والذي لا يقتصر على جانب الاقتصاد فقط، بل له انعكاسات سياسية واجتماعية وثقافية خطيرة على المجتمع. عندما يكون المجتمع تابعًا للدولة في قوته ورزقه، ويعتمد عليها في توفير الخدمات والوظائف والسكن والعلاج والتعليم وغيرها، فإنه يفقد أدوات المقاومة، ويفسح المجال أمام تغوّل الدولة وتدخّله في شؤون المجتمع، بحيث تصوغه كما تشاء، وتملك وصاية شاملة على تصرّفاته وأخلاقه وحدوده وحتى خياله وأفقه، فتصبح الدولة أشبه بالأب الوصيّ الذي يخطّ لك سيرة حياتك، ويرسم لك شكل تصوّرك للكون ويمنع عنك أي خروج عن النص؛ فتنتشر التفاهة وضيق الأفق والعقل المنغلق على نفسه الذي لا يرى أبعد من أنفه أو "دشرته".

تفطّن الأمريكيون لمعضلة تغوّل الدولة على حياة الفرد والمجتمع المحلّي، فتصدّوا له بأشرس ما يكون: ماذا توفّر لي الدولة؟ الحماية والأمن؟ لا أحتاج الدولة، سأحمي نفسي بنفسي وسأضع مادة في الدستور تجيز لي امتلاك السلاح واستعماله متى استدعت الحاجة ولو ضد الدولة في حال خروجها على العقد المتّفق عليه.

ماذا توفّر لي الدولة أيضا؟ التعليم، الصحة، الوظائف؟ سوف نبني اقتصادًا مبنيًا على السوق الحر لا تتدخل فيه الدولة وتكون الملكية كلها للخواص. ماذا توفّر لي الدولة أيضًا؟ القوانين والمركزية؟ سوف نوازنها من خلال حكومات محليّة (الولايات)، ولها الصلاحيات الواسعة وحق إصدار القوانين. من الممكن أن نتناقش في مدى جدوى أو حتى أخلاقية النموذج الأمريكي، لكن ينبغي فهم الدوافع الدفينة التي أدت إلى خروجه بهذه الراديكالية، أراد الأمريكيون نظام لا يشبهون من خلاله القوة الاستعمارية التي كانت تحكمهم (بريطانيا)، فخرج بهذه الصورة التي تقدّس الحرية الشخصية وتنفر من كل ما له علاقة بالحكومة.

- الجانب الثالث هو قضية العشرية السوداء:

عدم معالجة هذا الملف طيلة السنوات الطويلة التي مضت عليه، إذ بقي معلّقًا وملغّمًا بمشاكل قانونية واجتماعية وسياسية، حاول بوتفليقة الهروب إلى الأمام من خلال قانون المصالحة الوطنية، لكنه كان كمن يخيط الجرح دون تطهيره، فبقيت ملفات مثل عائلات المختطفين، ومعتقلي التسعينات، ومحتشدات الصحراء ومجازر 1997 حاضرة في الأذهان، وبقيت الآثار النفسية لدى مجتمع بأكمله يأبى أن يتعافى قبل أن تجري معالجة حقيقية للملف. في هذا الصدد، يمكن القول إن جيراننا الأفارقة، من بينهم رواندا، قد نجحوا نسبيًا فيما فشلنا فيه. بعد مجازر الهوتو والتوتسي في التسعينات، والتي فاقت نظيرتها في الجزائر، تخطو رواندا خطوات مهمة نحو التنمية، بينما تبقى الجزائر تراوح مكانها وتبكي جراحها التي ترفض الاندمال.

- الجانب الرابع، هو قضية "بناء الدولة":

وهو أخطر وأهم ملف، وأكثرهم تشعّبًا، ويتدخل فيه التاريخي بالجغرافي بالسياسي بالثقافي. لا يمكن تلخيص الملف في بضعة أسطر، لكن مدخله هو: أن ما نسميه اليوم بـ"الجزائر" بحدودها الحالية وجغرافيتها وشعبها لم تكن موجودة يومًا بهذه الصورة بالتحديد في التاريخ، الجزائر هي مساحة جغرافية تتكون من 90% صحراء، هذه الحقيقة لها انعكاسات في السياسة والاقتصاد والاجتماع، "الجزائر" التي نعرفها اليوم بهذه المساحة الشاسعة، وليدة حرب تحريرية ضد الاستعمار، هذا ليس عيبًا ولا منقصة ولا مديحًا، بل هو واقع تاريخي وسياسي عرفته العديد من البلدان.

بداخل هذا الكيان الذي يسمى "الجزائر"، هنالك شعوب وقبائل لا تملك بالضرورة تجربة تاريخية واحدة، ولا هي تطوّرت ضمن نفس الأطر والأنساق الاجتماعية والسياسية كما قد يحلو للحالمين الزعم. لفترات طويلة كان الشرق الجزائري في قبضة الحفصيين الذين عاصمتهم في تونس، بينما كان الغرب وجنوبه خاضعا للسلطان المغربي، الصحراء الجزائرية لم يسيطر عليها العثمانيّون وهلمّ جرًا. الدول القطرية الحديثة أدركت القوّة الكامنة في هذه الحقائق، والخطورة المدفونة فيها أيضًا، إذ بالقدر الذي من الممكن أن يشكل هذا "التنوّع" قوة وثراء للمجتمع.

من الممكن أن ينفرط العقد، إن لم تدخل الدولة معركة "بناء الدولة"، والمقصود ببناء الدولة هو صياغة هويّة وجدانية جامعة، تحتوي كل العناصر الوطنية بمختلف خلفياتهم الثقافية والعرقية واللغوية ضمن إطار وطني غير إقصائي.

هذا الأمر لا يتمّ من خلال حركات سطحية كالأناشيد الوطنية أو الصور التي تجمع التارقي بالقبائلي بالنايلي بالمزابي وهم يتعانقون، بل تحتاج إلى خطط ودراسات بها جوانب اقتصادية (العدالة الاجتماعية) وثقافية وسياسية واجتماعية وغيرها. بدأت الجزائر مسار بناء الدولة فور الاستقلال، لكن المشروع تعطّل بعدها وبقي يراوح مكانه، بل يمكن القول، بالنظر إلى ارتفاع الأصوات الانفاصلية، التي لم يكن لها وجود عقب الاستقلال وسطوة الحرب التحريرية المجيدة، إن مشروع بناء الدولة قد تراجع وتدهور.

قراءة 188 مرات آخر تعديل في الإثنين, 28 سبتمبر 2020 22:15