الأربعاء, 14 أكتوير 2020 05:10

الاستبداد ممارسة أبوة متعجرفة مميز

كتب بواسطة : د. عمار جيدل / باحث وكاتب

امتنّ الله على رسوله (صلى الله عليه وسلم) بعدد المنح والمنن، ومما امتنّ به عليه ما أشار إليه قوله تعالى:" ﴿أَلَمۡ یَجِدۡكَ یَتِیما فَـَٔاوَىٰ﴾ (الضحى6)، ممَا لأبوة في أصل الوضع من مهام وجودية تتعلّق باستمرار حياة الابن ماديا (بدنيا) ومعنويا (الحنان والشفقة والتربية على القيم)، وفي ذلك قال القرطبي في تفسير الآية:" عَدَّدَ سُبْحَانَهُ مِنَنَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَالَ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً لَا أَبَ لَكَ، قَدْ مَاتَ أَبُوكَ. فَآوى أَيْ جَعَلَ لَكَ مَأْوَى تَأْوِي إِلَيْهِ عِنْدَ عَمِّكَ أَبِي طَالِبٍ، فَكَفَّلَكَ.

وَقِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ: لِمَ أُوتِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَبَوَيْهِ؟ فَقَالَ: لِئَلَّا يَكُونَ لِمَخْلُوقٍ عَلَيْهِ حَقّ"، وبيّن أن المأوى في حال الضعف يقوم على كاهل الأب، والمأوى ليس مرأبا تُجْمَعُ فيه الأشياء المادية، بل هو مكان للاجتماع الإنسى يأوي إليه الصغير (الابن) مؤْنَسًا ومُؤْنِسًا في كلّ مراحل الضعف البدني والنفسي والعقلي، يوفّر فيه الأب شروط النمو المتوازن السلس، ولا يكون كذلك إلاّ إذا كان ضَمًّا معنويا قويًّا، لأنّ أواه معناه ضمّه، فمن واجب الأبوة أن تحتفي بالبنوة إلى درجة تصل الضَمَّ الذي في ثناياها الرفق ومشاعر الحبّ الجياشة، ومبعث هذا الشعور أنّ الأبوة ترى استمرارها في البنوة، فتكون من أهمّ مظاهر الأبوة الصادقة أن يكون الولد صغيرا لم يبلغ الرشد، فتتولى الأبوّة كفالته العامة التامة الشاملة الظاهرية والباطنية في إطار قيم المجتمع، وقياما بوظيفة استمرار القيم من خلال الأبناء ووفاء برسالة الأحفاد، وتأدية لأمانة التكليف تجاه الأبناء.

الأبوة في أصل الوضع لا تكون إلاّ حانية، الأبوة متضايفة مع البنوة، فهما من المرتبطات تضايفا، فلا بنوّة من غير أبوة، ولا أبوّة من غير بنوّة، وبقدر ما تكون الأبوة تكون البنوّة نجاحا وفشلا، ومن فقد خصائص الأبوّة عَدِمَ أحاسيس البنوّة الصادقة، وعَدِم إحساس الابن بالأبوّة، ذلك أن المشاعر والأحاسيس في الغالب -في الوضعيات السننية العادية- معاملة بالمثل، فبقدر ما يمنح الأب من اهتمام لابنه، ترتدّ إليه معاملة البنوّة له حانية إن كانت حانية، ومهملة إن كانت مبنية على الإهمال. أي إنّ أعماله رُدَّت إليه.

من أهمّ نتائج الأبوة الحانية، أن يمارس الأب على ابنه أمانة التوجيه والإرشاد بصدق، ففي فترة الضعف البدني يجده أمامه، وفي حالة الضعف البنيوي (العقلي والبدني) يعتني به إلى أن يكبر، فتعود هذه العناية في إطار قيم المجتمع بخيرات عميمة على الأب، بل حتى آباء الآباء (الأجداد) والأحفاد وأحفادهم، وسائر مكوّنات الأسرة والمجتمع، وهي تدريب على تمثّل تلك التربية الحانية في الدولة والأمة والإنسانية.

والأبوة من جهة العناية التفصيلية بالابن الضعيف تستغرق فترة معتبرة من عمر الابن، وتبقى الصلة بعد تمام الاكتمال والبلوغ إحسانا متبادلا، ولكن بمجرّد معاملة الأب ابنه بعد تمام شخصيته بذات أساليب المعاملة في مرحلة الصبا تتحوّل الأبوّة إلى قاصرة عن تحقيق قصد الإسهام في نمو شخصية الابن، فينشأ إذا سلّم للأبوّة في مرحلة ما بعد البلوغ شخصية مهتزّة لا ثقة لها في قدراتها واستعداداتها التي وهبها الله إياها.

الاستبداد يمارسه مستبد، والمستبد لم يولد مستبدا ولكنّه أصبح مستبدا بفعل الاستحواذ بطريقة غير محترمة على السلطة أو المال أو هما معا، ويزيد استبداده بحسب المساحة التي يتركها له المجتمع والشعب يتصرّف في حاضرهم ومستقبلهم على ما يروق له، فكلّما استخف بهم ورضوا بالاستخفاف زاد تغوّلا، بل قد يأكل أبناءهم وأحلامهم ويطلب ثمن أكله لهم، وقد يستحوذ على مقدّراتهم ثم يطلب مزيدا من التنازلات له، فإن أطاعوه واستمروا على عدم الإنكار أوشك أن يحوّلهم إلى آلات صمّاء يفعل بها ومنها ما يشاء.

لهذا، فالاستبداد يتمدّد بقدر انكماش الناس عن المطالبة بحقوقهم، وبقدر افتراقهم عن مدافعة خطره عليهم جميعا، فالذي أعانه اليوم ليس بمأمن من أن يكون أوّل ضحاياه في قابل الأيام، لأنّ الاستبداد يقوم على تدوير الفساد والإفساد والتوريط في الفساد، فلا يقبل من يفكّر في إمكان المساءلة عن المكاسب، فيؤسس لمنظومة قانونية تمنع مساءلته، وتمنع فعليا محاسبته، ومن مقتضيات دفع إمكان تفكير الناس في تجاوز مرحلة الصَبا (البنوة الأبدية) التي من أهم تجلياتها الرمي بالقصور عن فهم المعطيات السياسية والاجتماعية، يعمل الاستبداد على ممارسة نوع أبوة متعجرفة على الشعب، يضع لهم القوانين الأساسية لهم لأنّهم الدولة، والدولة هي الشعب، فيتصّرف المستبد بالدولة تصرّف المالك، لأنّه يفتقد لعقلية الأجير، فالحاكم عند العقلاء قاطبة حاكم للناس وفق إرادتهم السيّدة، وليس حاكما لهم على مراده.

الاستبداد السلطوي أبوّة مجنونة تلغي عمليا عقول الذين تمارس عليهم الأبوة السمجة في السياسة، ومع هذا يطلب المستبد من الشعب الثقة به، ومن طلب من الشعب الوثوق به قبل أن الثقة فيما استودعهم الله من استعدادات وقدرات وملكات، لا ثقة له في نفسه، لأنّ الذي له الثقة في نفسه، هو الذي يجعل الناس يثقون بأنفسهم، وبهذه الثقة يثق بأنّ الشعب سيختارونه لوثوقه بهم، ويعمل على بعث ثقة الناس في إحداث التغيير الإيجابي في أنفسهم أولا، فيخرجون من تيه الإعجاز(النفث في روعهم عدم القدرة على أي حركة إيجابية نافعة) الذي يمارسه عليهم المستبد، فيعطّل فيهم موهبة الاختيار والبناء والمحافظة.

المجتمعات الحيّة تدفع بقواها الثقافية والفكرية ثم السياسية كلّ محولات النفث في روع الشعب (الإعجاز)، أي أنّكم غير قادرين على إحداث التغيير الإيجابي، والمستبد أفهم منكم بالمصلحة الحالية والمستقبلية، وقد بيّنت الأيام أن المستبد ينبي بيتا أوهن من بيت العنكبوت، ولا يستمر بغير المنشطات التي يضعها في أوردة القوى المهيّأة باستمرار للخدمة طلبا للرغيف أو الوظيف. مواجهة الاستبداد تفرض أن يصبح الوعي بخطر الأبوة الاستبدادية المتعجرفة على حاضر الوطن ومستقبله عاما شاملا، يستوعب كلّ طبقات المجتمع وكلّ أطيافه الفكرية والسياسية.

الاستبداد مدرك أنّه لا يستمر ولن يستمر بغير القهر والقمع وشراء الذمم، والالتفاف على الوعي العارم بالكيد حينا، وتسميم الواقع السياسي والاجتماعي حينا آخر، فلا يواجه الحراك مواجهة مباشرة ولكنّه يتبنى اسمه ويفرغه من محتواها، هذه هي الأبوّة المتعجرفة التي مثلها كمثل معاملة من لم تتهيأ له أجواء الفهم والتحليل لعدم القدرة على الوعي السنني، يواجه شعبا أفهم في مجمله بمتطلبات الظرف الراهن من الناحية السياسية (دولة الحق والقانون والحريات التي تؤسسها مؤسسات حرّة تأسس بمنأى عن عناية المستبد وأعوانه)، كما يبعث على تصرّف الأرعن طبيعة نفس المستبد، ذلك أنّ الاستبداد مانع من التفكير ومانع من التركيز ومانع من القراءة الموضوعية للحاضر والمستقبل، فيتعامل مع من جاوز مرحلة البلوغ وأتَّم دراسته الجامعية العليا معاملة القاصر عن الفهم، القاصر عن الاختيار، القاصر عن التثاقف السياسي الراشد، القاصر عن اكتشاف جسور اللقاء بين كلّ الفرقاء السياسيين والفكريين النزهاء، المستبد فُرَيْعِن، قاعدته الرئيسة ممارسة الأبوة القهرية على البالغين الرشد الفكري والحضاري والسياسي، فيعتبر المستبد نفسه هو الرُشْد، ومَنْ خالفه فقد خالف الرُشْد، ومن تبعات ذلك هو الوطن والمصلحة، هو الفهم، هو التحليل، والمجتمع بتعدّد أطيافه وتوافر كفاءاته لا يصلح أن يقرر حاضرا ولا مستقبلا، يَعْتَبِرُ المستبد قصور الشعب مستمر لن يتحوّل عنه، بل يكاد يجعله طبعا لا يتحوّل في الزمن، ولا يتغيّر بالرغم من الكسب المعرفي والكسب الثقافي والكسب الفكري، وكسب النضال الجماعي في صناعة الوعي. جملة المكاسب التي ذكرناها تجعلنا نطمح طموحا جماعيا إلى تثاقف سياسي جماعي نزيه، يستشرف تفعيل الاستعدادات والقدرات في شعاب الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية، لنبرهن جماعيا وعمليا عن محو الصفة التي يسوّقها عنّا الاستبداد في الداخل والخارج، وخاصة القصور الذاتي (كما تصوّرنا الدراسات الغربية والاستشراقية)، أي أنّنا لا نقوى طَبْعًا على دفع الخطر المحدق بالوطن، ولطول زمن قبول الاستبداد تطبّعنا على عدم التفكير في دفعه.

أعود مرّة أخرى لأؤكّد أنّنا لم نولد قابلين بوضع الاستبداد، ولكن أُريد لنا أن نبقى قابلين له بحيل سياسية تسلّطية كثيرة، يتعيّن التفكير الجماعي في دفعها، ولا يقوم بأعباء هذه المهمّة النبيلة إلاّ من تطعّم ضد الطمع (الطمع أب الغباء) وطُعِّمَ ضد معاداة حرّ لصالح مستبد، يمثّل خطرا على الجميع.

قراءة 257 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 14 أكتوير 2020 05:19