الخميس, 15 أكتوير 2020 05:21

الصدق مع الوطن مميز

كتب بواسطة : د. عمار جيدل / باحث وكاتب

الصدق أبقى الجواهر على المقاومة، وأصبرها على القمع، وأقلّها نقصانا مع الفتن والكذب، وهو أنقى الجواهر عند الفتن، وهو أوزن من كلّ ذي وزن، والصدق أبقى من جميع الكذب مهما طالت أيامه، وثقله جعل رسوّه في القاع أمرا ثابتا قارا، فلا تؤثّر فيه موجات الكذب والدجل مهما طالت الأيام، ولا تجرفه أنهر ترّهات الكَذَبَة مهما كان تدفّقها جاريا، لأنّ للكذب جولة وللصدق دولة، ستتحقّق مهما طال الزمن.

ومناقب الصدق في الدفاع عن الوطن كثيرة العد عميمة النفع،  والكذب مهما طالت أيامه فهي قصيرة، مغالطة الناس يمكن أن تطول أيامها، ويمكن أن تطال بعض الذين تسوقهم العواطف، ولكن لا يمكن أن تبقى أو تستمر، لأنّ الصدق يحمل بذرة بقائه فيه، ففيه التجدّد الذاتي، فضلا عن قدرته على الانتشار ومقاومة التشويه الذي يتعرّض له من قِبَل الفاسدين والمفسدين والمتحالفين مع الاستبداد، بينما الكذب (بكلّ أشكاله وألوانه) يحمل بذرة فنائه فيه، فهو يتآكل ذاتيا، لأنّ طبيعة الكذب تأبى أن يكون غير صادق مع نفسه، فالكذب يكذّب نفسه، وينشر فضائحه، فيتعرّى من لباسه الشفاف بنزعه قطعة قطعة، أمّا الصدق فهو في الوضع السنني يُعَدُّ مصدر تغذية الضمائر بالقيم الباعثة على الوفاء بمهمّاته (الصدق)، وفي وضع التضييق ينتج الصدق أفكارا تمثّل سراجا في نفق الاستبداد، وأما في جو التدافع يمثّل الصدق أكبر وسيلة وأنفعها وأجودها وأجداها في تحقيق مساحة إضافة للإصلاح الفكري والاجتماعي والرشد السياسي، فقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث المتفق عليه: (عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق، حتى يُكتب عند الله صدِّيقا)،  وعكسه مفضي إلى نقائض ذلك تماما، وفي ذلك قال سيّدنا محمد (صلى الله عليه وسلم): (وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب، حتى يُكتب عند الله كذَّابا).

ومن كُتِبَ عند الله كذَابًأ، سيكتشف كذبه عموم الناس إن آجلا أو عاجلا، وعلى الأقل يحفظ لنا التاريخ كذبهم، وهو ذلك عبرة لمن يعتبر في قابل الأيام.ولأنّ الصدق قيمة ثابتة لا تقبل المساومة وهي أساس في مدافعة الاستبداد وتدوير الفساد، لا يقوى على إهمالها حتى أولئك الذين ارتضوا أن يكون مستبدين أو فاسدين أو مفسدين، فهؤلاء لا يرضون من الخَدَم إلا من كان صادقا معهم، فيتعيّن على الخادم أن يبدي استعدادا تجميد عقله ونفسه ويضعهما تحت تصرّف الاستبداد والفساد، فَيُخْمِدُ كلَّ استعدادته وقدراته، ويطفئها إلى الأبد إن كان راغبا في البقاء في مصف الخُدَّام، فأثر الاستبداد على القدرات والاستعدادت ظاهر جلي، إذ غالبا، إن كان قادرا على التفكير، لا يصدر عنه إلاّ ما كان دليلا على غبائه أو تغابيه، وهو يعلم أنّ من كان صادقا مع الاستبداد وتدوير الفساد لا يمكن أن يكون صادقا مع الشعب والقيم، لأنّه يتحرّك ببوصلة الاستبداد والفساد، ولا يتحرّك ببوصلة الشعب، ولا يمكن أن تتوافق بوصلة الاستبداد وتدوير الفساد مع بوصلة الشعب، فبينهما تضارب ظاهر، وإذا تحقّقت الغلبة الوقتية للأوّل التي قد تطمع بعض الناس في إمكان تصوّر ذهابه، والواقع الإنساني يؤكّد بما لا مجال لدفعه، ليس هناك ظلم بقي غالبا أبد الدهر، فإنّه آيل للذهاب والاندثار مهما طالت الأيام، التاريخ الإنساني يؤكّد هذه السُنَّة الإلهية في الخلق، وتبنّت السينما هذه القانون الإلهي الثابت، فينتهي الفلم بغلبة الحق والصدق، وذهاب ريح الظلم والفساد والاستبداد، وهو تعبير صادق على أنّ الأرض يرثها الصدق والصادقون، وإذا كان الأمر كذلك، فلا تحدّث نفسك بأن تكون في صف الاستبداد وتدوير الفساد، لأنّه من أهمّ الظواهر القائمة على الكذب، بل يمثّل قيمته المركزية في تحرّكه وتصوّراته وتصرّفاته.

وما دامت الغلبة للصدق أمام الكذب وللحرية أمام القمع سنّة ماضية في الخلق، تعبّدنا الحق بالثبات على الصدق"وما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق، حتى يُكتب عند الله صدِّيقا"، فالصدق ليس مرحلة وقتية إنّها برنامج حياة يستغرق كل رحلة الوجود، فليس الصادق من كان صادقا في بعض الوقت، بل الصدق هو الثبات على الصدق، لهذا فهو سيرورة ورحلة ثبات واستمرار على مدافعة الاستبداد وتدوير الفساد.إن غلبّة الصدق والحرية على الظلم والقمع والتزوير أمر ثابت لا مِراء فيه، لهذا أيّها العاقل حدّث نفسك عن الحال التي تريد أن تكون عليها، والحال التي تريد أن تقبض عليها، والحال التي تريد أن يتناقلها عنك الأبناء والأحفاد والمجتمع والشعب، بل والمخالف والموالف، هل تريد أن يكتب في تاريخك صحائف تعمل على إخفائها عن الأبناء والأحفاد وعموم المهتمين بشأن وطنك؟

أيها العاقل، سنكون موضوعا للتاريخ، وسيقرأ عنّا الأبناء والأحفاد وجمهور المهتمين بتاريخنا، ما دوّناها بأعمالنا من أعمال وتصرّفات، فهل ترضى أن تكتب من الساكتين عن مدافعة الاستبداد وتدوير الفساد في وطنك، فضلا عن أن تكون مرافعا عنه؟ هل ترضى أن يشمت بك وبأنبائك وأهلك الناس في القابل؟ الحفاظ على قيمة الحرية والصدق حيّة في الضمائر، ليست من القضايا التي نتصرّف فيها كيفما نشاء، لأنّها ليست حقّا شخصيا فقط، بل حقّ متعدَ فهو من حقّ الأبناء والأحفاد، لا يسوغ التفريط فيها لضعف وسائل تحقيقها، لأنّ القيمة الثابتة(الحرية والصدق) لا تسقط بعدم امتلاك الوسائل، فضلا عن كون الوسائل دول بين الناس، ليست هناك من امتلك الوسيلة وبقي مهمينا عليها أبد الآباد، من هنا علينا بالحفاظ على الفكرة حيّة (الحرية والصدق) في الضمائر مع التنبيه إلى وجوب امتلاك الوسائل السياسية والفكرية لمدافعة موانع تحقيقها وعلى رأسها الاستبداد وآليته الجهنمية تدوير الفساد.

والصدق مع الوطن هو السهر على حريته، والحفاظ على حقّه في تقييد الحاكم بإرادته السيّدة، ومنع إعادة إنتاج وثيقة قيّد بها الحاكم المحكوم بإرادته، كما هو معهود دول الاستبداد وتدوير الفساد، السير نحو هذا المقصد، يتحقق بوجود قوى سياسية تنبثق عنها وثيقة تُقَيِّد السلطة بإرادة الشعب، فتكون السلطة المنبثقة عنها مصادقة على قرار الشعب وليست منتجة له، فلا يتصوّر الصدق مع الوطن مع سلطة تختار للشعب ما يريد، ولا تسمح للشعب بأن يختار ما يريد.الصدق مع الشعب صدق مع الأصل، ومن تمام الصدق مع الأصل الصدق مع الفرع (كلّ السلط المنبثقة بصدق عنها)، والصدق مع الفرع بقدر اندراجه في الأصل، أي بقدر صدق انتماء الفرع للأصل، فإذا كان الفرع غير مبنثق بطريقة سننية عن الأصل، فالصدق مع الصدق يفرض الصراحة في القول بأنّ الفرع ليس مستمدا من الأصل، بل قد يكون خطرا عليه.الصدق مع الوطن منجاة للصادق وللوطن، والكذب مهلكة لهما. 

قراءة 177 مرات آخر تعديل في الخميس, 15 أكتوير 2020 05:34