الإثنين, 19 أكتوير 2020 05:34

صناعة المستقبل السياسي مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

يتصوّر كثير من المسلمين أنّهم مدعوون لحلّ مشكلات الإنسان المعاصر، ولا شكّ أنّ هذا الإحساس بالمهمّة أمر نبيل، وحس حضاري كبير، ولكن تحقيق هذا المقصد الرفيع، ليس أمرا مهملا مرميا على قارعة الطريق يلتقطه البطالون، بل هو سعي عملي منهجي، يمتنع أن يتحقق بالأماني.ولا يمكن للأمّة أن تسهم في حلّ مشاكل العالم إذا كانت عاجزة عن حلّ مشاكلها الرئيسة، وخاصة نظام الحكم، أي المسألة السياسية، والواقع يؤكّد أنّ ما تعيشه الأمة الآن، لم يأت من عالم آخر، ولا هم ولدوا في مشكل، بل صاروا في المشاكل وهم جزء منها بفعل كسب جماعي، أي هو نتيجة تصوّراتهم، وتصرّفاتهم، بمعنى "أنّها أعمالهم رُدَّت إليهم". 

والعجب أنّ الإسلام دين عظيم، ولكنّ هذه الأمّة عِظَام رميم. فكيف يسوغ أن يكون عندك دين بهذه العظمة وأمّة بمثل هذا الهوان؟ المشكل هو أنّنا لم نع متطلبات اللحظة الراهنة فضلا عن التحديات التي يفرضها وضع التكالب على الأمة والتكالب على الحراك الشعبي، بل التحالف ضد استرجاع المجتمعات الشرقية حقّها في وضع تصوّرات سياسية راشدة، وتصرّفات من جنسها.

والتنافر بين سلامة الأسس النظرية (الدين) والتصرّفات الرعناء في السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة والفكر، وَلَّدَ نوعا من الأسى والغياب عن الحضور في تقرير المصير السياسي الجماعي، حتى طمع فينا كلّ ضعيف.يتعيّن استرجاع الوعي بأنّ التّغيير جعلي سببي، جعله الله ميسّرا للنّاس، قال تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (الرّعد/11).

ففي آخر المطاف ما نرفل فيه من أوضاع جيّدة فهو من صناعتنا، وما نتضوّر فيه من جوع فكريّ ومادّي ومعنوي، وما نتعذّب فيه من أوضاع هو حصاد ما زرعناه. فمن أراد أن يُغيّر يجب أن يتغيّر، فالتّغيير سنّة ماضية جعلها الله في الخلق مستقرّة في عقولهم وضمائرهم، وهم بقدر تفعيلها يستعيدون انتماءهم إلى الدّين والوطن.

إذن، فهناك سنّة باقية يجب أن تُستوعب وأن يعيها الإنسان، وهي "جعل إلهي" لا يمكن بأي شكل من الأشكال تجاوزها، والذّي يظنّ أنّه بمجرّد ارتباطه بالدّين قد يقوم مقامه في عالم الشّهادة عناصر من عالم الغيب فهذا إنسان واهم. والذي يظنّ أن الانتماء إلى الوطن يحقق المقصود بمجرّد التغني بشعار (الوطنية) فهذا أهبل، أو راغب في تحصيل رغيف أو وظيف، ولا صلة له بالوطن، لأنّ الوطنية الصميمية أن تعطى الوطن من غير انتظار عوض.

التغيير مقدور عليه، وبقدر اكتشاف الاستعدادات والإمكانيات الفردية والجماعة وتفعيلها في شعاب الحياة ننال حصائدها، ومن زرع الريح فلا يحصد إلاّ الغُبار، ولهذا قال الشيخ عبد الحميد بن باديس: "العباد على أربعة أقسام 1- مؤمن آخذ بالأسباب الدينية والدنيوية، فهذا سعيد في الدنيا والآخرة. 2- ودهري تارك لها، فهذا شقي فيهما. 3- ومؤمن تارك للأسباب، فهذا شقي في الدنيا وينجو )بعد المؤاخذة على الترك) في الآخرة. 4- ودهري آخذ بالأسباب الدنيوية، فهذا سعيد في الدنيا ويكون في الآخرة من الهالكين".

ليس في بني آدم من هو عصيّ في الغالب الأعم عن التغيير، وهو سنة ماضية في جميع الخلق، والمُكَوَّنات مثل الإنسان لها ذات القابلية، قابلية التعرّف عليها، وقابلية استثمراها، وقابلة الارتفاق، وكلّ مَنْ أتاها من أبوابها وفق سنن عطائها أعطته من ثمراتها، ولا تمنحك إلاّ بقدر مراعاة سنن عطائها، فلا تتحرّك في نوالها لمجرّد انتماء ديني أو عرقي أو وطني، بل لها مهرها الخاص، فلا تقبل مهرا غير العلم بها وإتيانها بأسباب الجعلية، ومؤدّاها أن تتغيّر بأفق الحراك الفردي والجماعي المستجلب لتغيير أوضاعنا وفق آمال الشعب وآلامه.

لهذا، فالإصلاح السياسي بأفق الحراك الشعبي العارم، هو أن نسعى إلى استجلاب أسباب التحقّق الباطني بأنا قادرون على إحداث تغيير أنفسنا ولنا من المُكْنة ما يسمح لنا بتحقيق تغيير ما حولنا ومن حولنا، فليس فينا ولا مِنّا من ينكر استعداده الفطري (الأصلي) للتَغَّيُر والتَغيير، إذا تحقّقت القلوب بهذه المقاصد، وحوّلتها إلى قبول فكرة مشاريع مدافعة سياسية للاستبداد وتدوير الفساد، مما يدفع إلى الاستفادة من الكفاءات الحراكية النزيهة في إيجاد تثاقف سياسي وفكري ونضالي، يحقق معرفة معاني التقدّم وقوانينه المرحلية وخطته الوقتية، ولكنّها لا تؤتي أُكُلُها ما لم تتحوّل إلى امتثال يتجلى في أغلب شعاب الحياة، فلا تحقق النهضة السياسية الراشدة بغير أخذ أسبابها الجعلية، ومن رام تحقيق مقاصد بغير بذل أسبابها رام المحال من الطلب.

لهذا، فإنّ الغد السياسي الراشد صناعة، تبدأ اليوم وتحصد نتائجه في الغد، ومدافعة الاستبداد ليست رحلة تفكّه ونضال موسمي، إنّها معركة المصير، معركة مستمرة تفرض الثبات وصناعة الوعي بهذا المسلك والحفاظ المتجدد عليه، وخاصة في مواجهة التلبيس والكيد ومحاولات تجفيف منابع الحراك بوصفه وعيا استراتيجيا استعاد بموجبه الشعب الوطن بعد فترة ضياع أنتجها التيه السياسي منذ لحظة الدولة الوطنية.

قراءة 161 مرات آخر تعديل في الإثنين, 19 أكتوير 2020 05:48