الخميس, 22 أكتوير 2020 12:49

أساليب الاستبداد في تفجير الحراك الشعبي السلمي مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

الاستبداد في أصل الوضع ضعف سياسي، يشير إلى عجز عن إقناع الشعب بالرأي السياسي، وعجز في إشراك المجتمع في تقرير مصير الدولة والصفة التي تكون عليها السلطة، ولا يمكن أن يستمر الاستبداد بغير وجود أدوات طيّعة في الإدارة والمال والأعمال والإعلام والدبلوماسية والجيش، و...، فلا يتصوّر منطقيا ومنهجيا أن يكون الاستبداد علامة قوّة، ولا يتصوّر أن للاستبداد ثقة بنفسه، أي بمسيريه ومستشاريه و"فلاسفته"و"مفكريه" وخدمه.

الاستبداد قائم على التصوّر (البوليسي) لحل الأزمات السياسية، ولا شكّ أنّ التصوّر البوليسي، يَبْعُد بالمشكلة السياسية عن طبيعتها، ويعطيها بُعْدًا مؤامراتيا، ليسهل تجنيد بعض المجتمع ضد البعض الآخر، فينشر في المجتمع معارضة المعارضة، لشغلهم عن معارضة تصرّفات السلطة وتصوّراتها للأزمة السياسية المستحكمة.

استبعدت مصطلح الأمني، لما يحويه من أبعاد معنوية كريمة وقيّمة وقَيْمية، تجعل الأمن أساسا في إقامة الدول واستقرارها، فمن الأمن: الأمن النفسي، والأمن الفكري، والتربوي، والحضاري، والاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي، ...

بهذا المعنى، لا يمكن لدولة أن تنشأ ثم تستقر ثم تنمو ما لم يكن الأمن قضية وطنية جامعة، معاملها وعاملها الرئيس المفرد في إطار المجتمع، فهو اللبنة الأولى لتحقيق الأمن، ولا يمكن أن يكون كذلك، إلاّ إذا كان هذا الفرد من خلال المجتمع صاحب القرار في تصوّر الدولة والحفاظ عليها وتنميتها، وهو ما لا يمكن تصوّر وجوده مع دولة الاستبداد، لأنّها لا تؤمن بالأمن بهذا المعنى السنني المشار إليه، بل تؤمن بالأمن بمعنى الدولة البوليسية التي تراقب أنفاس الناس وتكتمها، منعا لهم عن التعبير عن الرأي الحر، أو تتحايل عليه بنشر الموافق وتغييب المخالف، أما الناقد الأمين، فتكال له التهم الكيدية التي لا قِبَلَ له بها.

وإذا ظهرت الحركات الاجتماعي الإصلاحية القوية بظهير شعبي قوي، يَعمد الاستبداد إلى أسليب تفجير هذا الحراك بمختلف الأساليب الممكنة، رأسها كما أشرنا إليه القمع، وقد ينشر القمع بعنوان الحريات، فيبشّر الأوطان بعهد جديد للحريات بمدخل قمعي بامتياز يمنع الرأي العام المخالف من التشكّل السنني، يمنعه من الحق في الوجود (أي يمنعه من الحياة)، ومن تبعات ذلك منع وصول صوته للجماهير العريضة. لهذا يختار الاستبداد في ظل ضعف حجج الإقناع والتجنيد إلى (الكلّ البوليسي)، وهذا غير مصطلح (الكل الأمني)، فالدولة البوليسية هي أهمّ مظاهر الدولة الاستبدادية وأهمّ أدواتها.

وخشية من استمرار الحراك وثباته، يعمل الاستبداد من خلال أدوات الترغيب والترهيب، جامعا بين التلطّف مع البعض والتعامل بعنف مع آخرين، يجمع بين المخادعة (المراوغة) بالاستجابة لبعض المطالب تفتيتا للحراك، وتسليط الدنيا على بعض الحراكيين، والعمل على تشتيت تركيز الحراك بتسويق الشائعات حينا وتسميم الأجواء حينا آخر، فينشر الاستبداد فيروس التشكيك، ويُيَسّر التمكين من مِقْوَد الحراك لمن لا تاريخ لهم أو لهم تاريخ مشبوه في العلاقة بالفساد (بجميع أشكاله)، أو شخصيات رمادية (مزدوج الخدمة أو أكثر)، والتمكين لهم أملا في إحداث شرخ في الحراك، وفتح التنافس على المقود على أشدّه، بتسريب أسماء إلى جسمه بقصد تسميمه، وتكوين قيادات ضرار، وقد يرمي بذلك إلى تصفية الحساب مع عدوه الأكبر (الحراك المبارك) كما عرفناه ومارسناه وغيرنا من الفرقاء السياسيين.

 

تسبق هذه المساعي تسويف الاستجابة للمطالب الواضحة أو تفسيرها تفسيرا مُعوّجًا، أو تسريب إشكالات جديدة إبعادا للشعب عن الإشكالية المركزية (منطق الاستبداد وتدوير الفساد)، وتسويق فكرة أنّ الحراك أصبح أزمة، أو هو سير نحو المجهول، يتعيّن الانتهاء منه، ومما يتعلّق به الاستبداد تيسيرا لمرور هذه المغالطة: تضخيم مكوّن من مكوّنات الحراك، بقصد صرف الناس عن جوهر الصراع (الاستبداد وتدوير الفساد) بنشر استعداء الحراكيين لبعضهم البعض (ثقافة معارضة المعارضة)، ولا شكّ أن سلوك بعض الساسة في خضم الحراك (أكبر قوة سياسية جامعة) يصبُّ في دلو الاستبداد سواء علموا ذلك أم جهلوا، بسبب سوء تقدير متطلبات مدافعة الاستبداد.

قراءة 164 مرات آخر تعديل في الخميس, 22 أكتوير 2020 13:06