الجمعة, 23 أكتوير 2020 21:05

فرنسا والرُهاب من الإسلام مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

تعمل الدولة الفرنسية وفق منطق العقلية الاستعمارية في التعامل مع مستعمراتها السابقة، وتعاملهم بنوع من التعالي والغطرسة، وبالمنطق نفسه تنظر هذه الدولة إلى الإسلام وتجلياته في فرنسا، بقيت هذه الدولة وفيّة لاستخدام السلاح الأكثر مضاء والأشد فتكا لتحقيق البقاء لها في هذه البلاد وضمان استمرار سيطرته عليها، ألا وهو سلاح الثقافة والفكر.

دليل ذلك؛ أن الحملة الفرنسية على الجزائر لم تكن مجرد حملة عسكريين محترفين يؤدون مهمة عسكرية صرف، وينتهي دورهم عند ذلك، بل كانت حملة شارك فيها العسكريون جنبا إلى جنب مع رجال الدين ورجال العلم والفكر، وهي ما زالت على تلك الصيغ يتعاون فيها العسكري والاستعلامات وخدمها من الميادين المعرفية (الدراسات الشرقية، والمستشرقون) على تحقيق التمكين للعمالة لهم، ومن عُمَدِ ما تتميّز بها سياسة هذه الدولة، ويطبع تصرّفاتها السياسية حضور البعد الصليبي الحاقد، والذي يمثّل أكثر العوامل الدينية والثقافية دفعا إلى شن الحملة الفرنسية على الجزائر، إذ كان احتلالها بمثابة رأس الحربة التي أريد بها تمزيق وحدة المسلمين في إطار الغارة الصليبية الشاملة على العالم الإسلامي بعد ثبوت انهيار الرجل المريض. 

وقد ظهر ذلك من خلال الروح الصليبية التي صحبت الحملة، والتي لخصها شارل العاشر (1757 ـ 1880م)، الذي أمر باحتلال الجزائر، وقال مبررا عمله ذاك: "إن العمل الذي سأقوم به لترضية شرف فرنسا، سيكون بإعانة العلي القدير لفائدة المسيحية جمعاء". ويؤكد ذلك أيضا تصريح أحد مساعدي الماريشال بيجو مباشرة بعد دخول قوات الاحتلال إلى الجزائر، لا تختلف عن تصريحات ماكرون في الأيام الحالية، يظهر ذلك في قوله: "إن آخر أيام الإسلام قد دنت، وفي حدود عشرين عاما لن يكون للجزائر من إله غير المسيح".

كما تجسد ذلك ميدانيا من خلال الاستيلاء على المؤسسات الدينية في الجزائر مباشرة بعد الاحتلال، وضمِّ ممتلكات الأوقاف التي كانت تموِّلها، وتوجيهِ بعض هذه المؤسسات نحو ما يخدم أغراضَهم في تشويه الإسلام ونشر المسيحية، وتحويل بعضها الآخر إلى مستودعات ومستشفيات وكنائس، ومن ذلك تحويل جامع كتشاوة إلى كنيسة بداية من شهر ديسمبر سنة 1832م، حيث أصبح منذ ذلك الحين يسمى (كتدرائية الجزائر).

لم يتردد منظرو الاستعمار الفرنسي في حشد وتسخير الوسائل التي كان من شأنها أن تحقق الغاية المرسومة وهي طمس الهوية الإسلامية وإلغاء الشخصية الجزائرية المتميزة، قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (رحمه الله): "الاستعمار الفرنسي صليبي النزعة، فهو -منذ احتل الجزائر- عاملٌ على مَحْوِ الإسلام لأنه الدين السماوي الذي فيه من القوة ما يستطيع به أن يسودَ العالم، وعلى مَحْوِ اللغة العربية لأنها لسانُ الإسلام، وعلى محو العروبة لأنها دعامة الإسلام، وقد استعمل جميع الوسائل المؤدية إلى ذلك، ظاهرة وخفية، سريعة ومتأنية".

ويقول رحمه الله في موضع آخر: "جاء الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر كما تجيء الأمراض الوافدة تحمل الموت وأسباب الموت، والاستعمار سُلٌّ يحارب أسباب المناعة في الجسم الصحيح، وهو في الجزائر قد أدار قوانينه على نسخ الأحكام الإسلامية، وعبث بحرمة المعابد، وحارب الإيمان بالإلحاد، والفضائل بحماية الرذائل، والتعليم بإفشاء الأمية، والبيان العربي بهذه البلبلة التي لا يستقيم معها تعبير ولا تفكير".

عملت السياسة الفرنسية على محاربة الإسلام منذ العهد الاحتلال إلى اليوم، من هذا جعل محاربة الإسلام، وإنهاء تأثيره على حياة الفرد والمجتمع الجزائري، هدفا أساسا يعملون على تحقيقه، لأنها أدركت أن بقاءها في مستعمراتها الشرقية واستمرار سيطرتها عليها مرهون بمدى تمكنها من فك الارتباط بين الإنسان الشرقي والإسلام الذي يُعَدُّ بحق أصل مصدر بعث الوعي، لأنّ الإسلام  ظلّ المصدر الرئيس لحثّ الشعب الجزائري على الثورة ضد المحتلين والعمل على تحرير البلاد من سيطرتهم في عهدي الاحتلال والاستقلال، لذلك لم يتردد الفرنسيون في مختلف المراحل  في توجيه سهام الهدم إلى أصول مصادر الوعي (الإسلام) في نفوس الجزائريين في بلدانهم أو في فرنسا، بغرض إسقاط هيبته والحدِّ من تأثيره.

عملت فرنسا على تحقيق ذلك من خلال تجفيف المنابع، أو ربطها بالمجاري الفكرية (أكرمكم الله)، وإذا عجزوا عن ذلك لجأوا إلى التشويه والتحريف؛ بتشجيع كلّ انحراف عن الدين، وتثمين جهوده ونشره وإشهاره، حتى غدا في السياسة الفرنسية أن المسلم المقبول هو المسلم الذي تبرّأ من دينه. ولا ندري ماذا بقي من هذا (المسلم) إن تبرّأ من الإسلام، السياسة الفرنسية قامت على الرُهاب من الإسلام، فإذا اقترف (فرنسوا) جريمة، أدان إعلامهم وساستهم هذا الشخص ولم يجاوزوه إلى غيره، إما إذا قام بجريمة (مسعود) حمّل إعلامهم وساستهم وزر ذلك كلّ المسلمين، بل حمّلوا وزرها الإسلام الذي يحرّم ذلك. فلا تنتظروا من فرنسا أن تكون على خلاف ذلك، فهي عدوة لكم ما ثبتم على ميراثكم وأصول وعيكم، لهذا قال العربي التبسي: "من عاش فليعش بعداوته لفرنسا، ومن مات فليحمل معه هذه العداوة إلى القبر".

قراءة 154 مرات آخر تعديل في الجمعة, 23 أكتوير 2020 21:17