الأربعاء, 28 أكتوير 2020 14:03

في مواجهة وحشية "اللائكية" الفرنسية...أين اختفى المثقفون؟ مميز

كتب بواسطة :

هالني ما رأيته من سلبية المثقفين عندنا، إجمالا، تجاه حرب ماكرون الحاقدة الصليبية على الإسلام والتطاول على الرسول، فهل هذا من جمودهم وخمولهم، وميلهم إلى السلبية، أم لعدم وعيهم بالأحداث، ووقوفهم مكتوفي الأيدي دون مواجهة جرائم التطاول على أمة الإسلام، أم لعُقدتهم من تهمة "الإسلامية" من مرضى النفوس والعقول، فهي من الدعايات البليدة السمجة والمكررة يقولها ضحايا الدونية دائما، يرون في نصرة الإسلام ورسوله نزعة "إسلامية"؟؟ أم لئلا يثيروا غضب "الأنتلجنسيا" عليهم..

الأصل في المثقف أن يكون عمليا لا نظريا، ومهمة المثقف تتطلب اليقظة والانتباه على الدوام، وأن تكون له بصمة وأثر في إنكار ما يرى أنه خطأ ومنكر من القول وزورا، وهدم الوثنية المعاصرة، فليست الثقافة مجرد متعة ذهنية، ولا هي معالجة نصوص وكتابة تعليقات باردة وتسجيل ملاحظات باهتة، ولا هي الانغلاق على شأن محلي كأنما نعيش في جزيرة نائية معزولة والإغراق في اللحظة، بل المثقف هو من يجمع بين العمل والفكر، وقيمة أفكاره أنه يمتحنها يوميا في مجتمع الناس..

ربما تجد "مثقفنا" المُغيب يُعلق على مسائل هامشية تافهة، ولا تكاد تقرأ له شيئا عن الانتصار لجناب النبي، صلى الله عليه وسلم، في وجه الوحشية اللائكية الفرنسية، متأثرا بالانفصام النكد الذي ورثه عن مثقفي فرنسا، ذلك أن مشكلة كثير من "مثقفينا" أنهم تبنوا عُقدة إرث المثقف الأوروبي المتطرف خاصة، فالمثقف في الغرب واجه كهنوت الكنيسة وحطَمه، وبعد تحطيم حواجز الدين والاستبداد هناك، استطاع أن يشق طريقا جديدا لنفسه، أما المثقف في بلاد المسلمين فقد قلد المثقف الأوروبي، فواجه الدين أو ما رأى فيه شبها بالكنيسة أو طغيانها واستطاع أن يهدم كثيرا من القلاع وحواجز الدين، فالغربيون نبذوا طغيان الكنيسة فنالوا الحرية والسيادة والسيطرة، ونحن نبذناه فمُنينا بالذلة والانقسام والانحطاط والاستعداد لقبول ما يُملى علينا.

ومن أكثر ما أضعف المثقف العربي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تتلمذه على يد المثقفين الفرنسيين، وربما قرأ التاريخ والسياسة والدين والمجتمع بأعينهم، وهذه إحدى مشكلات اليسار العربي وإلى يومنا هذا..كيف ذلك؟

أكثر المجموعات الثقافية المؤثرة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين هم "الانتلجنسيا" الروسية والمجموعة الفرنسية..مجموعة المثقفين الروس هم من أثروا في بروز الاتحاد السوفيتي وسيطرة الشيوعية، وأكثرهم تثقف تثقيفا علمانيا مضادا للقيصر وللكنيسة، وأنتجوا هذا الكيان (الاتحاد السوفيتي)،  ومن أكبر مشكلات المثقفين الروس أنهم كانوا تلاميذ الثقافة الفرنسية، واللغة الفرنسية كانت حاضرة عند المثقفين الروس (تولستوي مثالا) وكان أبرز ما يميزهم، آنذاك، الإلحاد والوقوف ضد القيصر وضد الكنيسة، فكان لمجموعة الملحدين و"الأنتلجنسيا" التأثير الأبرز لإنشاء كيان "الاتحاد السوفيتي".

والمجموعة الثقافية الثانية التي تأثرت بالمثقفين الفرنسيين هي المجموعات المثقفة في العالم العربي التي تتلمذت على يد المثقفين الفرنسيين، وأثرت كثيرا في العقلية العربية الإسلامية في منتصف القرن العشرين وإلى يومنا هذا، وهذه المجموعات كانت، في الغالب، مُغيبة، ومعجبة بفرنسا، ويغلب عليها الجهل بالثقافة العربية الإسلامية، وكانت الثقافة الإسلامية آنذاك ضعيفة، ولم تكن ثمة حركة ثقافية إسلامية معاصرة، فهم كانوا أقرب إلى الضحايا، لكن الذي حدث أنهم وصلوا إلى الحكم في بلاد العالم العربي (مثال اليسار الشيوعي)، وهذه المجموعات، في الغالب مع بعض الاستثناء، هي نتاج الإلحاد والثقافة الفرنسية التي تُرجمت...

بعضهم تطهر من رجسه ووثنيته كما فعل المثقفون الروس، وكثير منهم ما زال يرصف تحت أغلال مجموعة المثقفين الفرنسيين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وأسوأ ما في طغيان الحريات الفردية، كما سوق لها مثقفو فرنسا وتشربها كثير من "مثقفينا"، اعتبار الدين شأنا خاصا بإطلاق. نعم هناك جوانب خاصة، لكن هناك بعض المظاهر العامة للدين، مظاهر جمعية هي من شعائر الله، ولهذا نحتاج إلى صياغة نمط حضاري لمفهوم الحرية الفردية، لا طغيان فيه لأغلبية ولا أقلية ولا فرد ولا جماعة..

وعلى هذا، هناك إشكال في مفهوم الحرية الفردية كونه شكلا من أشكال الطغيان، بالمنظور الفلسفي الغربي المادي. الحرية الفردية رد فعل على طغيان جمعي، ولكنها فتحت الطريق لتمدد الفرد على قيم الجماعة. حتى في الغرب كان هناك إحساس بهذا الطغيان الفرداني، فتدخلت الدولة في بعض المساحات، حتى تحمي المجتمع من تطرف الفرد الرأسمالي، إذ جعلت منه الفلسفة المادية الغربية طاغية لا يُسأل عما يفعل، وكأنه إله نفسه..

وهناك فصل بين حق أي إنسان أن يعتنق ما شاء، وحق كل إنسان في ممارسة التخطئة والتكذيب للأفكار، وبين الاعتداء على المطلق الديني (فلكل دين مطلق) أو محكمات الدين وحقائقه الثابتة.. ومهم، هنا، أن يتنادى المثقفون والمفكرون وأصحاب الرأي إلى الجمع بين صيانة الدين وحقائقه وتكريس الحرية ليكون هذا أساسا لإجماع أخلاقي نتجاوز به أنواع الدجل والزندقة والانتقائية والتحيز الأعمى والطعن الفاحش للمقدسات، ونميز به بين حرية الرأي الواجبة وحرية المجاهرة بالكفر المُجرمة...وما كان الدين، قط، محور التاريخ الأوروبي، بل ظل دائما على أطرافه، أما عندنا فالدين كان ولا يزال محور الحياة، وهو أمر يحتاج العلمانيون في مجتمعاتنا إلى معرفته والاعتراف به..  

قراءة 171 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 28 أكتوير 2020 18:19