الثلاثاء, 03 نوفمبر 2020 06:02

الاستبداد حجر سياسي على الشعب مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

الأصل أن تكون الشعوب مالكة لأهلية (الأداء) التصرّف السياسي، ذلك أنّ الشعوب صاحبة الحق في تقرير حاضر وطنها ومستقبله السياسي وفق آلية شفافة تشفُّ بالفعل عن رأيها السيّد من بداية عملية التأسيس السياسي إلى نهايتها، فإذا شابت مرحلة من مراحل المشروع السياسي شائبة التزوير أو الإكراه أو التلاعب أو...فإن النتيجة السياسية لن تكون سياسيا مقبولة، بل تكون من قبيل الاستبداد المبطّن، إذ لا يمكن أن تؤسس هذا الأساليب دولة محترمة، ومهيبة، لها تأثيرها على المستوى الجهوي أو الدولي، ذلك أنّ من يهمل أهلية مجتمعه للتأسيس للسياسية وطنية راشدة، وحماية مكاسبها وتنميتها، لا يمكن أن تحترمه القوى العظمى، وإذا أظهرت له شيئا من الاحترام، فبقدر ما يقدّمه لها من خدمات تعود عليها على حساب الشعب، أي بقدر ما يعوّق مجتمعه عن التعبير عن إرادته السيّدة، لهذا قصارى ما تبلغه هذه الأنماط من التفكير في المسألة السياسية؛ تأسيس سلطة تسمى دولة.

يلجأ الاستبداد وتدوير الفساد إلى الحجر على الشعوب بحيّل متباينة، يستغرق التحايل مختلف مراحل تجسيد الخيارات السياسية الشعبية، تبدأ المخادعة بمنع المجتمع من تأسيس قوى سياسية لها ظهير شعبي، وسند فكري وسياسي تشفع له مصداقية تاريخية ونضالية، فضلا عن نظافة أيدي مقدّميها، زيادة إلى براءتهم من التوريط (الأخلاقي، والسياسي، والمالي، و...) قديما أو حديثا.

ونقصد بالحجر -في سياق هذا المقال- منع الشعوب من تأسيس القوى السياسية وفق إرادتها في شفافية ووضوح بضمانات واقعية، ونريد بهذا الصدد التأكيد على أنّ الحجر على الشعب في أن يختار القوى السياسية التي تبني الحياة السياسية الراشدة، لهذا سنتوقّف عند تعريف الحجر في سياق هذه المقالة، وفق ما أشرنا إليه، وإن كان الحجر (في الاصطلاح) هو منع الإنسان من التصرُّف في ماله، فإنّ منع الناس من تأسيس قوى سياسية على وفق ما يرضون حَجْرٌ ظاهر، لهذا نعرّف الحجر هنا بما يأتي: منع الإنسان فردا أو جماعة من التصرّف السياسي، سواء تعلّق الأمر بموقف سياسي أو تأسيس قوى سياسية. والواقع أن الحجر على المال، مشروع لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5]، ولهذا وفي إطار حكمة حماية المال شُرِع هذا الإجراء، فليس فيه هدر من كرامة المحجور عليه، بل هو صيانة للمال من استعماله في غير ما جعل له، وحماية لمصلحة المجتمع، والغالب في الحجر أن يكون إمّا لصالح المحجور عليه (السفيه، والمجنون والصبي، و...)، وحجر لغير مصلحته فتكون لمن الحق في هذا المال (حق الورثة، والدائن، و...).

والحجر الذي تمارسه أنظمة الاستبداد وتدوير الفساد، وخاصة السياسي منه، تأكيد على أنّ المحجور عليه لا يملك أهلية التصرّف السياسي، أي ليس له صلاحية اتّخاذ القرار السياسي، فهناك أهليتان الأولى (أهليَّة الوجوب)، ومفادها صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، والثانية (أهليَّة الأداء)، ومفادها: صلاحية الإنسان لأداء التصرّف السياسي، وأن يكون لأقواله وأفعله اعتبار، وقيمة في التأسيس للسياسة ونقدها وتقويمها، وضمان ما يترتّب عليها آثارها السياسية في بناء الدولة وبقائها.

فهل الشعب عديم الأهلية لاختيار قواه السياسية كما يراها لا كما تراها السلطة، أم إنّ الشعب محجور عليه في أصل الاختيار، وهو صاحب أهلية المفاضلة بين ما تختاره له السلطة، أي أنّ السلطة تعتبر الشعب صاحب أهلية ناقصة، ومفادها صلاحيته لأداء بعض التصرّفات السياسية دون بعضها، فليس له أن يختار القوى السياسية خارج العلبة التي وضعتها له السلطة، أي يقتصر دوره على المفاضلة بين ما اختارته له السلطة من حركات أو أحزاب أو ...، ويشمل هذا حتى النقابات وجمعيات المجتمع المدني.

أم إنّ السلطة تعتبر الشعب عديم الأهلية، وبناء على هذا التشخيص تحرمه من حق التأسيس والاختيار السياسي وفق أصول الاختيار الشفاف، الذي حُرر من كلّ عمليات الإكراه المباشر و غير المباشر، وإصرار السلطة على ذلك مبناه بالمقام الأول على إيمانها بأهلية الأداء السياسي، فضلا عن أن تتعلّق ذمته بوجوب البحث في الحل السياسي، فضلا عن تأسيس قوى سياسية كما يريد، لا كما تريد السلطة الشعب في أنظمة الاستبداد وتدوير الفساد لا يملك أهلية الوجوب الكاملة، بمعنى ليس له صلاحية ثبوت الحقوق السياسية له، وإن كانت السلطة تتفنّن في إثباتها عليه، أي أنّه قاصر عن التصرّف السياسي المؤسس للأحزاب والحركات وفق قناعته السيّدة.

معاملة الشعوب بمنطق الحجر السياسي المغلّف بحيل إثبات الاختيار له فياح تثبته له السلطة من اختيارات، لا يؤسس دولة لها ظهير شعبي، يؤسس سلطة بلا سند شعبي، معزولة بعزلها المجتمع في محشر (الحجر السياسي) المنع من تأسيس حركات سياسية تؤسس للرشد السياسي كما يريده الشعب، لا وفق رغبات السلطة، للأسف أن الاختيارات الموضوعة بين أيدي مكوّنات الشعب هي موضوعة بعد حسم السلطة اختياراتها له، وهذا المشهد المكرر منذ لحظة الدولة الوطنية (دولة ما بعد استعادة الاستقلال) لم ينجح في السابق ولن ينجح في الحاضر، وسيؤسس للفشل في المستقبل.

والشعب يملك الأهلية الكاملة وجوبا وأداءً، كما عبّر على ذلك رموز الحركة الوطنية (الرئيسان بن يوسف بن خده، وفرحات عباس، وحسين لحول، وخير الدين)، وبعدهم عبد الحميد مهري، فالحجر عليه ستكون نتائجه وخيمة على حاضر الوطن ومستقبله، وستنجر عنه خيبات إلى الخيبات السابقة، فيكون أثرها سلبيا ومزعجا للكتلة الوطنية، ونؤسس من باب خفي لحراك وطني صادق وثّاب يريد كسر طوق الحجر السياسي الذي مورس عليه وما زال، ويسترد أهليه الوجوب والأداء كاملة، بفعل حركته الراشدة الفعّالة الجامعة، التي تؤسس على الإيمان بقدرة الشعب على تأسيس دولة وفق أمانة الشهداء، ورسالة الأوفياء لخطّهم في مختلف الحقب، وفي مختلف مكوّنات المجتمع الرسمية وغير الرسمية..

وإنّ الغد سيكون لاستعادة الشعب أهلية الأداء السياسي الراشد وتفعيله، وإنّ كسر قيد الحجر السياسي ليس ببعيد، ويرتد الحجر على الراغبين في ممارسة الحجر السياسي على الشعب، لأنّ مانع الشعب من تقرير مصيره السياسي في الوطن، هو الحَرِيُّ بأنْ يُحجر عليه سياسيا، ولا يمنع الشعب من هاذ الحق غير الاستبداد وتدويلا الفساد، ولا نهضة سياسية حقيقية للوطن بغير الحجر على الاستبداد وخدمه في تدوير الفساد، لأنّه يمنع الحَرَكِيَّة السياسية الراشدة، ويمنع الشعب من تأسيس حراك سياسي حقيقي، يسترد بموجب أهلية الفعل السياسي، وسيطعّم الجيل الجديد ضد وباء قبول فقد أهلية الأداء السياسي الحكيم، كل ذلك لأجل الوفاء بواجب إصلاح الوطن سياسيا.

قراءة 184 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 03 نوفمبر 2020 06:14