الخميس, 26 نوفمبر 2020 10:04

فضيلة العصيان والتمرد على الظلم والطغيان مميز

كتب بواسطة :

كانت العرب أهل تميز بالتمرد وعدم الخضوع والترفع...وكانت المعارضة ورفض الانقياد والخنوع مما يرفع الأقوام ويُعلي شأنهم.. وربما كان هذا مما هيَأ العرب للرسالة المحمدية ما تميزوا به من الترفع عن الدونية، وكراهية التذلل للملوك. وأما في زماننا، فقد أصبح الحكم أشد هيمنة على الفرد والمجتمع بأكثر مما حصل في عموم التاريخ المعروف للبشرية، وهذا لشيوع ثقافة الانقياد والإذعان.

والمُنقاد خلع المسؤولية وسلب إنسانيته ورضي بالدون، وصار بلا ضمير ولا عقل ولا وعي، والتملص من المسؤولية سقوط في التفاهة والتبعية، وقول القائل "إنني عبد مأمور" تبريرا لجريمته واعتذارا عن ظلمه، فهذه خيانة للكرامة والقلب والعقل والدين والمجتمع، وهو بهذا يعترف بأنه في أدنى دركات العبودية، دركها الأحقر الفاقد لكل اختيار...

في العصيان (والمقصود هنا استعادة الإرادة من مغتصبيها) وعدم الخضوع توجد الحياة الحقيقية وتولد المسؤولية ويولد الأحرار والمجتمع الحر، إذ قبلها لا وجود لأحد إلا لفرد، فمئات الملايين من المطيعين المذعنين الغائبين عن المسؤولية لا يساوون شخصا حرًّا واحدا.

وقد يكون العصيان، أحيانا، فضيلة الإنسان الوحيدة في مواجهة تجريده من إنسانيته، فوجود العصيان يثير الانتباه في المجتمع ويفتح مجالا للتفكير والتصويب. وما الجرائم الكبرى في التاريخ إلا بسبب الطاعة العامة للمفسدين والمتجبرين والظالمين، فجرائم النازيين مثلا جرائم طاعة للحاكم، وأكبر محاكمة في التاريخ هي محاكمة النازيين، إذ "كانت جريمتهم الطاعة"، فالعاصي (للحكم) لا يتمرد لرغبة مجردة في العصيان، بل بسبب الوعي بالمسؤولية، وإلا أصبحنا، هنا، دُمى مجردة من الإنسانية والشجاعة والمسؤولية. صحيح أن العصيان قد لا ينجح، لكن الذين عصوا وضحوا هم الشجعان والشرفاء الذين أحيوا العصيان، وتلك فضيلة الشعوب الحية.

والذين ردّدوا: "حاكم ظلوم خير من فتنة تدوم" لم يعلموا أنها حالة اضطرار، ولم يعرفوا أن شر الظلوم في زماننا مضاعف، وأقرب إلى القتل والموت. وفي زماننا تلبّس الظالم بالتوحش فجمع الشرين: الظلم والفتنة، ويستخدم أحدث التقنيات المعاصرة للإضرار بالمجتمع وكبته وترهيبه وسرقته، وهنا يصبح العصيان من أعلى الفضائل والمراتب، فالواقع البائس ونتائجه المدمرة تسقط كل نظريات سابقة في ظروف مختلفة قيلت في غير مكانها وزمانها. والعصيان يجب أن يبقى حيّا في المجتمع مُعينا على التفكير والوعي وسلوك الصواب. إذ الطاعة أحيانا (بمعنى الانقياد والخنوع) تكون أساسا للجريمة، ولا يمكن أن يقبل من مجرم دعواه أنه كان يطيع الأوامر، وإلا فكل مجرم يمكن أن يعذر بالطاعة للمجرم الأكبر، والمجرم الأكبر ما كان له أن ينفذ جرائمه لولا وجود هذه المسوخ معدومة العقل والقلب والضمير والأخلاق.

ويتسلى الحكام الفاسدون والمفسدون بوصم الأحرار الشرفاء الثائرين والمحتجين على خرابهم وتدميرهم بأنهم خونة للوطن، ليصرفوا حقيقة خيانتهم (الحكام) للشعوب، وهذا من خيانة المستبدين للمجتمع والوطن واللغة والعقل. وإنسانية الإنسان مرتبطة بالاختيار وليس بالإذعان.

قراءة 244 مرات آخر تعديل في الخميس, 26 نوفمبر 2020 18:03