الخميس, 03 ديسمبر 2020 18:41

التحقوا بساحات المعارك...ولا تنشغلوا بالهوامش مميز

كتب بواسطة :

ما تحقق من وعي شعبي ويقظة عامة، منذ حراك فبراير المبارك، ممَا كان يتحدثون عنه دائما المثقفون والأئمة وطلبة العلم من أصحاب الضمائر الحية ودعاة التغيير وسعاة الخير، وما كانوا دائما يأملون فيه ويتمنونه. لقد تحقق جزء من هذا النهوض المجتمعي الذي دعوا إليه في كتاباتهم ونصوصهم. وهذا التحقق كان أكبر مما توقعوا، سرعة وإنجازا، وكان أيضا أحسن مما توقعوا، من حيث قلة الآثار السلبية.. وقد كُسرت الحواجز لتبدأ حرية التحرك والتغير، فلا نتوقع أن هذه الحواجز التي كُسرت هي الغاية، بل هي البداية، وأصبح الآن المجتمع متحركا، وهذه البداية تحصل فيها عقبات وفشل وتراجع أحيانا، والطريق فُتح لحركة المجتمع، وهذا لا يعني أن هناك وصولا واضحا إلى نهاية مستقرة.

ولكن، في الوقت نفسه، ثمة زيادة في جرعة التطاول على المقدسات وأصول الديانة وسيل من الافتراءات، مما لزم التصدي لهذه الموجة الشرسة من أهل الثقافة الإسلامية لصدَ العدوان ودفع الشبهات وردَ الأكاذيب والأباطيل. فلا يُعقل أن أمثال التافه الفارغ "لمين الزاوي" يقطر جهلا وحقدا على ثقافتنا الأصيلة ورموز هذه الأمة، ولا نجد من يتصدى لهذيانه وجهله وتحامله على التراث، بلا مؤهلات علمية ومعرفية ولا مراعاة لأصول البحث والتشريح والنظر. وأحتقر كل جهد يقوم به من يسمّى نفسه ناقدًا تكون نتيجته النهائية أن العرب ما هم إلا همج من الهمج، إذ النقد الموضوعي ذو الأهداف النبيلة لا يهمل كل شيء ويسلط نظره على الجراح دون غيرها، بل يتوازن وينصف، وفي كل أمة مواطن نقص تاريخي. ومن أوسخ الغش: الغش في العلم.

والتدين دليل حياة ويقظة وصحوة، وفكرة الحداثة الأوربية المصدرة لمجتمعاتنا مليئة بعقيدة الفصل بين الدنيا والآخرة، ولا يصلح لنا ما أقوا عليه مجتمعاتهم، فلسنا أمة بلا روح، وكما كتب الفيلسوف والزعيم الراحل، علي عزت بيغوفيتش، أن المجتمع العاجز عن التدين هو أيضا عاجز عن الثورة. والبلاد التي تمارس الحماس الثوري تمارس نوعا من المشاعر الدينية الحية. والمؤسسات الرسمية لا هي ثورية ولا هي دينية، فإذا وجدنا خصوما للثورة في نطاق الدين، فهم خصوم ينتمون إلى الدين الرسمي فقط، أي إلى الكنيسة ونظامها الإداري الهرمي، أو الدين المؤسسي الزائف.

ولا يوجد شيء اسمه "إسلام معتدل" و"إسلام متطرف"؛ لأن الإسلام لم ينزل بنسختين، نسخة معتدلة وأخرى متطرفة. الاعتدال والتطرف يوصف بهما المتديّن وليس الدين، فهناك متدين معتدل ومتديّن متطرّف. فالدين لأنه واحد كانت له صفة واحدة فقط، والتديّن لأنه متعدد كانت أوصافه متعددة. وحرية الاختيار، أخذا وتركا، التزاما وتملصا، مصونة، فلا إكراه في الدين، فضلا عن التدين، إلا أن يكون ثمة تعدَ عام على الدين ومجاهرة مُعلنة بالافتئات والتطاول، فسلطان المجتمع يتدخل للردع الأخلاقي.

والحق أنه منذ "دستور المدينة" النبوي وحتى "النظام المِلِّي" العثماني، يرى المتأمل المُنْصِف أن احترام التعدد وإتاحة خيار التدبير الذاتي لمكونات الأمة كانا أهم القيم الكلية الهادية طيلة تاريخ التجربة الإسلامية، فحتى الطوائف الدينية والمذهبية تدير شأنها الخاص بحرية كاملة داخل نظام سياسي رحب، يسمح حتى بحرية التقاضي وخصوصية التعليم والسلوك الديني لكل فئة تبعا لما تدين به، كما كان المجال العام الإسلامي يسمح بحضور المختلفين عنه دينيا في أشد الأحوال خصوصية مثل صلوات الاستسقاء التي هي ممارسة دينية خاصة وخالصة، ناهيك عن أنشطة المجال السياسي العام كمظاهرات الاحتجاج المشتركة ضد الطغيان.

وهذا التاريخ الطويل والتراث العريض للتسامح الإسلامي مع معتنقي الأديان المختلفة هو ما جعل المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون (ت 1350هـ/1931م) يستخلص في نهاية كتابه "حضارة العرب"، أن المسلمين عاملوا "كل قـُطْر استولوا عليه بعطف عظيم تاركين لهم قوانينهم ومعتقداتهم…؛ فالحق أن الأمم لم تعرف راحمين متسامحين مثل العرب ولا ديناً سمحاً مثل دينهم".

ولا نزعم أن المثالية النقية واكبت كل تفاصيل تاريخ التعايش دون كدر أو حيْف، فلا يقول بهذا قارئ منصف للتاريخ بما هو سيرة بشر من طباعهم التظالم، ولكن لحظة الاختلال في تطبيق القواعد -إن وقعت- كانت تُعتَبر خروجا مؤقتا ومعزولا ومدانا على مبادئ التعددية والرحابة الراسخة التي ظل الجميع يَحتكم إليها، كما أن أوجه المظالم كانت تشمل الجميع وتمارس من الجميع، وإن بنِسَب متفاوتة في الحالتين.

وقد جاءت رسالة الإسلام، منذ يومها الأول، كونية الخطاب عالمية الدعوة، وسرعان ما أصبحت المدينة عاصمة لدولة الرسول المتعددة الشعوب والعقائد، إذ الناسُ فيها كما جاء في "صحيح البخاري": "أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود"، وكانت صحيفة المدينة الدستور المدني الذي وضع أسس تعايش مشترك صارت بها ساكنةُ هذه المدينة/الدولة "أمّةً من دون الناس"، تبعاً لمبدأ المواطنة لا الديانة أو العِرق.

وعلى خُطى هذا الهدْي النبوي الحنيف؛ سار الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان من منصفي المسلمين وغيرهم من أبناء الوطن الإسلامي، طوال الحقب التي تمتعت فيها الأمة بعافيتها الفكرية وأريحيتها الحضارية؛ فكان قادة الفتوح الإسلامية يعطون لأصحاب الأرض المفتوحة "الأمان لأنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، لا ينتقص شيء من ذلك ولا يساكنهم أحد من غير ملتهم". وكان هناك تاريخيا "قاضي النصارى" و"قاضي قضاة اليهود" الذي يسمونه اصطلاحا "الناجد".

والمطلوب اليوم، مع تعدد جبهات الصراع، أن ينبري من أهل الثقافة الإسلامية المقتدرين من يتحدث لعموم الناس، كتابة مستوعبة وتوثيقا تاريخيا، عن التجربة التاريخية الإسلامية منذ العهد النبوي، وإسهاماتها وإشراقاتها وتنوعها وثرائها، من غير تقديس للتراث ولا بخس له، وإنما إنصافا واتزانا، وإلا اكتفوا بدور جانبي وتأخروا عن ركب المصلحين المجددين وانغلقوا في مربع واحد لا يغادروه وانشغلوا بمعارك وأفكار جزئية غرقوا في تفاصيلها وابتعدوا عن حقيقة الصراع الذي يدور حولهم وهم عنه غافلوه منصرفون.

ولعل مما أوجب التركيز والمبالغة في الحركة الوهابية على العقيدة والقبور، حتى بعد أن اختفت أو خفّت تلك المشكلات التي كانت حقيقية في البداية، هو تراجع دور المشايخ إلى تأثير ثانوي و"ديكوري"، فلما أبعدهم ذووا الطموحات التنفيذية والمالية، تأخروا عبر الزمن من كونهم قيادات سياسية وحربية وإدارية إلى مدرسين صغار في المساجد، وبالتالي اضطروا إلى تهويل دورهم الرعوي ومكانة ما يحفظون من ثقافة الفرق وعظموا من أهمية محفوظاتهم من المجادلات المدرسية الباردة الموروثة عن العصر العباسي والمملوكي، وتمتعوا بالثقافة الباردة البعيدة عن الدور الرسالي وعن حرارة المطبخ السياسي، فانعزلوا يعيدون اجترار ما حصل للكثير من القدماء، وتمنوا أن يتبرك بهم المعاصرون، وليتقربوا بالعامة والطلاب إلى الحاشية لعلها تعطيهم اعتبارا وتلتمس بهم قوة في مكان أو مكانه وللأسف غاب حتى من يتعلل في صيده بالوساطة للضعفاء..

قراءة 527 مرات آخر تعديل في السبت, 05 ديسمبر 2020 07:12