السبت, 05 ديسمبر 2020 07:32

لماذا اختارت الجمهورية الفرنسية اللائكية دينًا لها؟! مميز

كتب بواسطة :

مهمَ الإلمام بالجدل التاريخي حول علاقة الدين بالدولة في فرنسا لفهم حالة الحرب المعلنة في فرنسا على الإسلام، ، ولماذا "العلمانية" بصيغتها الفرنسية (اللائكية) تبدو مختلفة عن نظيرتها الغربية.

أولا: يمكن القول إن هناك "عقدا" فرنسية تجاه الدين، من المهم فهمها جيدا، وهو ما جعلها حالة عدائية فريدة عن باقي بلدان أوروبا الغربية.

ثانيا: فرنسا هي أول دولة أوروبية مركزية بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، لذلك كانت "الأخت الصغرى" للكنيسة الكاثوليكية، كونها الكيان الوحيد الذي كان متماسكًا في كل أوروبا، ما بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، وسيطرة المسلمين على شبه الجزيرة الإيبرية ونهاية حكم القوط الغربيين. لذلك، فإن الدولة المركزية عتيقة وقديمة في فرنسا إذا ما قورنت بباقي بلدان أوروبا.

ثالثا: كان الدين بالنسبة لفرنسا مكسبا لها، مكَنها من التوسع في "الأراضي المنخفضة" وألمانيا وتأسيس (الإمبراطورية الرومانية المقدسة) بزعامتها، وأن تنال دعم كنيسة روما، وكان لها الفضل في حفظ المسيحية بالغرب الأوروبي، بعدما هزم (شاغل ماغتل – المطرقة) الجيش الأموي بقيادة عبد الرحمن الغافقي، في معركة تور/بلاط الشهداء عام 732. يقول المؤرخ البريطاني الشهير إدوارد جيبون: (لو انتصر المسلمين في هذه المعركة، لكنا اليوم سنرى الأساطيل الإسلامية تبحر في مصب التايمز بدون معارك بحرية، ولكان القرآن يدرس اليوم في أوكسفورد ولكان علماء الجامعة اليوم يشرحون للطلاب باستفاضة عن الوحي النازل على محمد).

رابعا: ظلت العلاقة بين الدولة الفرنسية والكاثوليكية عضوية، وفي تحالف وثيق حتى بدأت تتعرض هذه العلاقة للاهتزاز، بعدما نشأت ممالك أوروبية، وعلى رأسها إنجلترا، التي بدأت بالنهوض منذ توحيد ويليام الفاتح، لها عام 1066، وأصبح لها منافسون على قلب الكنيسة ولم تعد وحدها "الأخت الصغرى".

خامسا: تعرضت العلاقة بين الدولة والدين لضربة قاصمة وعدم يقين بعدما ظهرت الأفكار الإصلاحية البروتستانتية أو (الهوغوينتس - Huguenots) وفق التسمية الفرنسية. بدأ الانقسام الذي لم تشهده فرنسا عبر تاريخها، ورغم تمكنها من الصمود أمام كل المتغيرات والصراعات والتحديات التي واجهتها، بدت ضعيفة وقابلة للاختراق والتقسيم بسبب الدين. تصارعت العائلات النبيلة (المونمورانسيين - آل غيس - آل بوربون) على السلطة عبر استخدام المذهب الديني، وكان لكل عائلة حليف يدعمها من الخارج لخدمة مصالحه على حساب فرنسا، وتحولت لساحة حرب بالوكالة بين إليزابيث الأولى، ملكة إنجلترا، وفيليب الثاني، ملك إسبانيا.

سادسا: لم يعد الإيمان كاثوليكيا حصراً، وتعددت الطوائف، وما عادت فرنسا هي حامي حمى الكنيسة بمفردها، ونافسها بالمكانة كارلوس الخامس هابسبورغ، الذي تلقب بإمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وخضع بابا روما لسلطته، حتى إنه أعتقل ملك فرنسا فرانسوا الأول، عام 1525، واضطرت والدته "لويز سافوا" إلى أن تستغيث بعدو كل الكاثوليك وقتذاك، سليمان القانوني ليحرر ابنها من الأسر، واتحد فيما بعد مع العثمانيين ضد "إخوانه" الكاثوليك، ونالت فرنسا سبة الدهر وتراجعت مكانتها، وأخيراً لم يعد البابا هو السيد المطاع لكل مسيحيي أوروبا الغربية كما كان من ذي قبل، وبالتالي تحول الانتماء على أساس ديني لعبء على فرنسا، لا عامل قوة ونفوذ لها كما كان بالماضي.

سابعا: خاضت فرنسا ما تسمى (الحروب الدينية الفرنسية)، وكان عددها 8 حروب كبرى خلافًا للصغيرة من 1562-1598. حروب أهلية طاحنة أكلت الأخضر واليابس، وتحولت إلى بلد ضعيف منهك، وتتحكم فيه دويلات صغيرة في أوروبا، وانحطت معنويات الشعب بعدما كان ينظر لدولته على أنها سيدة أوروبا وأكبر دوله على الإطلاق.

أدت هذه الحروب ومنها فاجعة مذبحة سان بارتيليمي، عام 1572، لمقتل أكثر من 30 ألف، واستمرت بعدها لعدة أيام، ويقال وصل ضحاياها في شهر واحد لأكثر من 60 ألف فرنسي.

ثامنا: أدت الفوضى بسبب الصراعات الدينية، وتحول الدين لوسيلة للطامحين للوصول للسلطة عبر رفع شعار ديني، وللقوى الخارجية الناهضة في أوروبا، لاستخدام وكلاء لها بالداخل لإضعاف فرنسا وانحطاطها، وتقدم دول كانت أصغر منها وأقل حضارة، وتخلفت فرنسا عن الركب. حتى تم حسم الأمر نهائيًا في عهد لويس الرابع عشر، المتوفى عام 1715، وصولاً للعام 1789، عام قيام الثورة الفرنسية، بعدما أنهكت تمامًا وخسرت قبلها غالبية مستعمراتها في العالم الجديد لصالح إنجلترا.

تاسعا: إنجلترا، كانت جزيرة معزولة، فكان الصراع الديني فيها الذي بدأ منذ عهد هنري الثامن حتى ثورة 1688، وبدأ استقرارها. صراعات محلية الطابع وقدرة القوى الخارجية على التأثير في الداخل أو غزوها محدودة للغاية. أما ألمانيا، فكانت مقسمة حسب الاعتقاد الديني وفقا لمعاهدة أوغسبورغ 1555، وظلت مقسمة حتى بدأت أولى إرهاصات الوحدة في عهد ملك بروسيا القوي فريدرش العظيم، وتحققت في عهد المستشار بسمارك عام 1871. أما فرنسا، فكانت دولة قارية متصلة بحدود شاسعة مع جيرانها، والتدخلات فيها كانت متاحة لعدة أطراف أجنبية، ودولتها نشأت منذ اللحظة الأولى في شكل مركزي، وكان الصراع على وحدة الدولة ودور الدين في تقسيمها، ولذلك كانت تجربتها مختلفة عن الآخرين.

عاشرا: أنهت الثورة الفرنسية مؤقتًا الجدل حول الصراع الديني، وأوجدت بديلا جديداً للوحدة على أساس (المواطنة)، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن 1789، إلا أن محاولات الكنيسة لم تتوقف للعودة لهيمنتها وتدخلات القوى الخارجية تزايدت، حتى نقل نابليون بونابرت الحرب إلى داخل أوروبا بعدما كانت داخل فرنسا. ثم قرر استعادة دور الكنيسة من جديد وصولاً لقرار 1905، ثم قرارات 1968، التي شكلت فصلاً تامًا لعلاقة الدين بالدولة، واخترعت دينًا جديدة لها تحت مُسمى "القيم الفرنسية" عبر علمانية متشددة لائكية، نتيجة هذا الميراث الطويل من الصراعات.

اليوم، وفي ظل حسم الجدل الذي ظنت الجمهورية أنه انتهى حول الدين، أصبح الوجود الإسلامي بالملايين وارتباطه بتراجع دور فرنسا الخارجي وعدم اليقين في مستقبل الاتحاد الأوروبي، وتعرضها لمنافسة شرسة اقتصاديًا من الصين والهند وبلدان آسيوية، وضغوط جغرافية سياسية وعسكرية من روسيا الاتحادية الناهضة، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتراجع أمريكي عن علاقة التحالف التاريخية، وعدم اكتراث ألماني رغم ما يبدو من تحالف بمصالح فرنسا، ومخاوفها من تمدد تركي جديد يضربها بعنف في آخر ما تبقى لها من نفوذ في منطقة الشرق الأوسط والساحل الأفريقي، ويلقى قبولاً أمريكيًا وبريطانيًا، أو على أقل تقدير عدم اعتراض جدي، وتعاطف كثير من المسلمين في العالم مع السياسة التركية. أوجدت كل هذه المتغيرات وضعا جديدا في فرنسا نشهد اليوم إرهاصاته، وهو صراع أعمق من جولة انتخابية يودَ ماكرون أو خصومه ربحها، بل محاولة من الجمهورية لدمج المسلمين في "قيمها" وعقيدتها اللائكية، لخوفها من مستقبل الصعود الإسلامي، وعدم تكرار ما حدث تاريخيًا لها في ظل حالة ضعف عام تمر بها.

قراءة 227 مرات آخر تعديل في السبت, 05 ديسمبر 2020 07:48