طباعة هذه الصفحة
الجمعة, 18 ديسمبر 2020 20:27

بلاد "الزواوة" من أهم المراكز التاريخية في العربية وعلوم الشريعة مميز

كتب بواسطة :

حدَثني، اليوم، أحد الأساتذة الأفاضل مستنكرا ما نشره بعض الأدعياء من أن "بومدين فرض اللغة العربية" على منطقة الزواوة، وهذا جهل وتحريف وتزييف، ولا أدري لم لا يحرص هؤلاء الأدعياء على البحث في كتب التاريخ عن أصالة منطقتهم وعراقتها وتألق أشياخها وعلمائها في اللغة العربية ومختلف العلوم والمعارف، فكانت من أهم حواضر العلم واللغة العربية بعلومها، فتكرير الادعاءات والخرافات والأساطير يصنع "ببغاوات" وينشر الجهل ويطمس الحقائق، ولا ينتج ثقافة ولا معرفة..

منطقة زواوة (وذكروا أنه سُمَيت بالزّواوة لكثرة زواياها وكتاتيب القرآن فيها) من أهمّ المراكز العلميّة التّقليديّة في المغرب الأوسط، وقد برزت خصوصا في علم القراءات والنّحو والفقه، واشتهر علماؤها شرقا وغربا كابن معطي الزّواوي (ت628هـ)، ويُعدّ أوّل من نظَم النّحو في ألفيته المشهورة، بل إن أهلها أسهموا في تنمية المعارف في مختلف الحواضر والمعاهد، بالزّيتونة وتلمسان والقرويّين والقاهرة ودمشق، ولا غرابة فقد كانت بجاية (عاصمة هذا الإقليم) مركزاً علميّا يُنافس هذه المراكز الإسلاميّة الكبرى في المشرق والمغرب، وخصوصا في القرن السادس الهجري وما بعده..

ويُعتبر القرن السابع الهجري من أزهى أيّامها وأكثرها عطاء وإنتاجا معرفيا، فقد صارت منطقة الزواوة، وخاصة بجاية، مَهوى أفئدة العلماء والفقهاء، ومَأْوى جالية الأندلس من الغرباء والأدباء، فخلَفت لنا بجاية في القرن السابع الهجريّ (ق13م) تركةً علميّة وأدبيّة لا يُستهان بها، تجسّدت في مؤلّفاتٍ كثيرة وتراث علميّ زاخر اشتهر في الآفاق، سجّل لنا بعضها أبو العبّاس الغبريني البجائي (ت714هـ) في كتابه: (عنوان الدّراية فيمن عُرف من العلماء في المائة السّابعة ببجاية)..وليت الذي صدَع رؤوسنا بالأساطير والخرافات أن يقرأ قليلا عن أمجاد أجداده وتفننهم في اللغة العربية وعلوم الشريعة وتبحرهم فيها..

وفي عصر الموحّدين، انتقل إلي بجاية عشّاقُ الأدب وطلاب العلم والمعرفة من مختلف الأصقاع، وقصدها الأكابر واستوطنوها كعبد الحق الإشبيلي، وابن سيّد النّاس اليعمريّ الأندلسيّ، وهم من عيون علماء الأندلس، وبالتّالي عرفت بجاية، حينها، بعصرها الذّهبي، فتزاحم العلماء فيها، وضُرِبت إلى معاهدها أكباد الإبل، وربّما أدركت بجاية أعزّ أيّامها في المائة السادسة، فقد قال العلامة المسيلي (ت580هـ): "أدركت ببجاية ما ينيف عن تسعين مفتيا"، ثمّ قال: "وإذا كان من المفتين تسعون فكم يكون من المحدّثين ومن النّحاة والأدباء وغيرهم".

وربّما اجتمع في المجلس الواحد كبار العلماء والأدباء، كما هو الشّأن في مجلس أبي محمّد عبد الحقّ الإشبيلي (ت581هـ)، وأبي عبد الله محمّد بن عمر القرشي المعروف بابن القرشيّة، وأبي علي حسن بن علي المسيلي (ت580هـ) كانوا كثيرا ما يجلسون بحانوت بإحدى أزقّة بجاية، وكان الحانوت المذكور يُسمّى مدينة العلم لاجتماع هؤلاء الثّلاثة فيه.

تاريخ منطقة الزواوة لا يبدأ من "أسماء" متأخرة أبرزتها توجهات إيديولوجية متعصبة، وصنعت منها رموزا ونفخت فيها، بلا أي معايير معرفية، إلا ما كان منها من تعصب وتطرف ضد اللغة العربية والدين، ولو كان الأمر بيدهم لمحوا تاريخ المنطقة الإسلامي وجرَدوها من أصالتها وانتمائها الحضاري!!

قراءة 592 مرات آخر تعديل في الجمعة, 18 ديسمبر 2020 20:36