الإثنين, 28 ديسمبر 2020 10:15

بالغوا في تقديس القصر...إسلاميو "العدالة والتنمية" المغربي خرجوا من التاريخ بالتطبيع مميز

كتب بواسطة : د.إبراهيم الدويري / كاتب موريتاني

لم يكن يوم العاشر من ديسمبر 2020 يوما عاديا في تاريخ الحركة الإسلامية في المشرق والمغرب، فقد أطل فيه فجأة رأس اختبار صعب ومحنة ناعمة لإسلاميي المغرب الأقصى الذين اشتهروا بين نظرائهم بالابتعاد عن أدبيات المحن والسجون، وحسم الخيارات الفكرية والإجراءات العملية من علنية العمل والإعلاء من قيم الشورى إلى "التمييز" بين "الدعوي والسياسي" وترتيب أولويات "الهوية والتدبير" مع التقديس شبه التام لقرارات المؤسسة الملكية ومرجعية "صاحب الجلالة"، لكنه لا ينجي حذر من قدر، وقد يؤتى الحكم من مأمنه، ومن غفل أو فرط في ثلاثية عمرو بن براقة الهمداني أحاطت به المظالم والمغارم، فما ذا حدث في الأندلس الباقية؟

حين تحدث النائب البرلماني والمفكر الحضاري المقرئ أبو زيد الإدريسي عن “التطبيع ومآلاته الخطيرة” بين المغرب وإسرائيل قرن خطورته ورمزيته في الوجدان الإسلامي والعربي بنكبتي 1948 و1967، واعتبره بالنسبة للمغرب رابع أسوأ يوم في تاريخ المملكة الحديث بعد يوم إعلان الحماية في 30 مارس 1912، ويوم نفي الملك محمد الخامس خارج المغرب وعزله عن العرش العلوي في 20 أغشت 1953، واليوم الثالث الأسوأ يوم 23 يوليو 2019 وهو اليوم الذي أُقر فيه القرار 50/15 القاضي بالتراجع عن التعريب في الدراسة، وترسيخ مسخ هوية المغاربة وتعطيل العقل الإسلامي وقتل روح الإبداع الحضاري في المغرب.

تحت صدمة وهزات الحيرة التي أصابت الإسلاميين جراء إعلان التطبيع مع الصهاينة في بلد يقود حكومته حزب إسلامي كان أمام الفقيه والطبيب النفساني المشهور بشفافيته الروحية د. سعد الدين العثماني وحزبه العدالة والتنمية موقفان لا ثالث لهما؛ الأول: دخول التاريخ والخروج من الحكومة وهو الصواب ومقتضى الوعي بالمستقبل والمراهنة على يقظة الشعوب والإبداع السياسي، والثاني: الخروج من التاريخ بإيثار البقاء في الحكومة وقبول خطيئة توحي سياقاتها أنهم كانوا فيه كَتَيْمٍ يقضى الأمر في غيابهم، وكان شهودهم لـ"عقد القران الأثيم" من غير "استئمار"، بل للإذلال وإدمانه..

ولما آثروا الموقف الثاني المؤسف وغير التاريخي كانت شظاياه سريعة الانتشار والآثار؛ فطالب مشفقون بمراجعة المسار كله، وأعلى آخرون من قيم خطاب الهوية والابتعاد عن السياسة والالتحام بالجماهير دعويا وعلميا وتربويا بحثا عن حالة تزكوية تبدأ مع كل دعوة إصلاحية، ثم لا يلبث الزمن أن يأخذ منها على عادة الدعوات، فيما دعا آخرون إلى التركيز على بناء المؤسسات العلمية والإصلاحية وخدمة الشعوب، ولَي على كل ما تقدم ملاحظات وتنبيهات تسترشد بعبر قديمة وحديثة.

تقول عِبَرُ التاريخ ومواعظ التجارب إن المراجعات الكبرى واتخاذ المواقف المصيرية لا ينبغي أن يُصار إليها في حالات الوهن الشديد وضغط اللحظات الحرجة بسبب رغبة أو رهبة؛ ففي مثل تلك الحالات البشرية يكون الاندفاع غير منضبط، والرؤى غير مكتملة، ولنا في مآل ثورة ابن الأشعث وأصحابه الفقهاء ضد الحجاج بن يوسف عبرة؛ فقد ضربوا أروع أمثلة الصبر والشجاعة، وشاء الله أن يهزموا فاضطروا في حالة ضعفهم لإحداث مذهب في السياسة سيكون أكثر المذاهب راحة للطغاة وفتكا بالشعوب.

فقد نقل لنا الذهبي في "سير أعلام النبلاء" عن قتادة "قال: إنما حدث هذا الإرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث"، كما روى لنا ابن عساكر في "تاريخ دمشق" عن النضر بن شميل قال: دخلت على المأمون فقال: كيف أصبحت يا نضر؟ فقلت: بخير يا أمير المؤمنين. فقال: ما الإرجاء؟ فقلت دين يوافق الملوك يصيبون به من دنياهم وينقصون به من دينهم، قال: صدقت". فأولئك الفقهاء الثوار الأبرار حين راجعوا مواقفهم الثورية مرحليا في حالة ضعف صارت فيما بعد ضربة لازب سيَّرت العلاقة بين الشعوب بقيادة الفقهاء والحكام عدة قرون ولما تزل، وقريب من مراجعة أصحاب ابن الأشعب لموقفهم الثوري ما وقع للإخوان المسلمين في مصر بعد مقتل النقراشي، وما وقع للإسلاميين عموما حين زلزال الحادي عشر من سبتمبر، فلم يزالوا يدينون الإرهاب ويكررون مصطلحه ويتنابزون به حتى شمل أحرارهم الوصم به رسميا من دول رئيسية في المنطقة بعد بعثرة مخرجات الربيع العربي والتنكيل بالأحرار.

وفي الجزء الثاني من المقال، نضع النقاط على الحروف تذكرا واستبصارا واسترشادا واعتبارا واستشرافا، والله ولي التوفيق…

قراءة 334 مرات آخر تعديل في الإثنين, 11 جانفي 2021 07:32