الجمعة, 15 جانفي 2021 18:20

هل يمكن إصلاح الحكم من الداخل؟ مميز

كتب بواسطة :

يرى ابن رشد أن إصلاح الدولة من الداخل (أو الحكم) ممكن، ولكن بشروط، وأن دخول الدولة في مرحلة الهرم ليس حتميا، فالإصلاح ممكن، لأن الشؤون الإنسانية "إرادية كليا"، بتعبيره، ولا بد من "تعاقب "حكومات أخيار" يرعون الإصلاح ويواصلونه إلى أن يصير الأمر على "أفضل تدبير"، وبعبارة الفيلسوف الراحل "محمد عابد الجابري" المعاصرة: الإصلاح مسألة إرادة، وبالتالي فهو لا يحتاج إلا إلى قرار سياسي.

وابن خلدون لا يوافق على هذا الرأي، فهو يرى أن "الدولة لها أعمار طبيعية كالأشخاص"، و"أن الهرم إذا نزل بها لا يرتفع"، وربما أثبتت الاختبارات والتجارب بعد قرون من حديث العملاقين ابن رشد وابن خلدون، أن تقدير ابن خلدون أقرب إلى واقع الناس من تقدير ابن رشد الأفلاطوني...وأنه لا إرادة حقيقية للتغيير إلا ما ضغط بها الشعب الناهض الثائر وفرضها على الحكم بقوة الضغط والدفع والشارع..غير هذا أضغاث أحلام وتعلق بأوهام واستحضار عابر للروح التفاؤلية..

لكن إذا عملنا بتقدير ابن رشد في أن "إصلاح الدولة أو الحكم من الداخل ممكن"، يبقى التساؤل المُعلق: كيف؟ كل التجارب العربية المعاصرة التي حاولت إصلاح الحكم من الداخل فشلت في ترويض مؤسسات الحكم وأجهزته، وتحقيق انتقال ديمقراطي سلس، بعض المراقبين يستثني التجربة التونسية، وهذا محل نظر، لأنها لم تستقر حتى الآن ولا هي وصلت إلى صيغة نهائية مطمئنة.

وطالما أن الثورة العربية، ومنها ثورة أو حراك الجزائر، لم توقع هزيمة قاطعة بقوى المنظومة التقليدية، تدريجيا، ستعمل هذه القوى على تأبيد سيطرتها على الحكم والساحة السياسية، سواء بالاعتماد على توازن قوى داخلي، تلعب فيه مؤسسة الدولة (سلطتها الفعلية وبيروقراطيتها) دور المرجح، أو استدعاء دوائر إقليمية حليفة لمساندتها. إذ ثمة شعور لدى هذه القوى المهيمنة (السلطة الفعلية بشبكاتها وأجهزتها) أن الدولة الحديثة هي دولتها، وأن إدارة شؤون هذه الدولة والتحكم في قيادها هو حق موروث لها وحكر عليها، وأنها وحدها من يفهم لغة هذه الدولة، من يعرف أسرار معبدها وطقوس كهنوتها. وقد بات واضحا، الآن، أن على قوى التغيير خوض معركة طويلة، دفاعاً عن حق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار من يمثلها في إدارة مؤسسة الدولة، أو القبول بالتهميش والاكتفاء بموقع "الواجهة السياسية".

وخلافا للدولة التقليدية، تمارس الدولة الحديثة حكما مركزيا، يقوم على الأصل الأكبر: أن الدولة مصدر الشرعية. ولكن الدولة (بمعنى الحكم المهيمن المتغلب الذي خطف الدولة وأخضعها لنزواته وشهواته) صارت تعرف، يقينا، أنها ما عادت تتمتع بأدنى قدر من الشرعية ولا أي قدرة على إنتاجها كما في السابق، وتدرك أن وجودها واستمرارها بات غير ممكن من دون قهر وإخضاع شعبها. وعلى هذا، فالدولة لا ترى غير العنف والقمع سبيلا لتثبيت حكمها، لهذا، فإن مستوى العنف يزيد ولا يتراجع.

وترى الدولة في قوى التغيير الشعبي كيانا غريبا عن جسم الدولة، ولا تقبل بأي انفتاح سياسي حقيقي على المجتمع إلا إذا أُجبرت عليه شعبيا، فكان على قوى التغيير أن تفك الارتباط بين الحكم والدولة، وهذا التغيير لا يكون إلا من خارج مؤسسات وأجهزة الدولة ظالما أنها مختطفة وخاضعة وموجهة أساسا لعرقلة ومعاداة أي حركة أو محاولة إصلاحية، وليس ثمة تغيير حقيقي من دون إسناد شعبي واسع. ولم تشهد الدول العربية ثورات شعبية أو انتفاضات استهدفت وجود الدولة ذاتها بالشكل الجذري للثورات، كالثورة اللينينية والخمينية، وكيان الدولة نفسه لم يكن محل جدل أو في موقع الاستهداف، ولكن المعضلة الكبرى في أن الحكم يرى نفسه هو الدولة، لا انفصام بينهما، وهذا قمة الطغيان والغرور.

قراءة 159 مرات آخر تعديل في الجمعة, 15 جانفي 2021 21:41