الأحد, 17 جانفي 2021 14:48

السلطة تعبث بـ"الهويات" وتُشعل نيران العصبية مميز

كتب بواسطة :

الإرهاب الفكري والثقافي الذي تمارسه مجموعة متطرفة، معروفة بتعصبها للعرق والمنطقة، تحريفا وتزييفا، لا يقل خطورة عن الإرهاب السياسي الذي تمارسه سلطة القهر والتغلب، تحتكر (هذه المجموعة، وتسمى في التداول الإعلامي والسياسي "البربريست") جدل اللغة والهوية، ونصبت نفسها وصية على ثقافة الشعب، وتضخمت عقدتها من الدين، وتروج للخرافات والأساطير والزيف، وإذا تكلم عاقل بلغة التاريخ والحقائق، ردوا عليه: هذا ليس وقت إثارة هذه المسائل؟؟ كأنما حلال عليهم الزيف والتشنيع حرام على غيرهم تنوير العقول ومواجهة التحريف والتزييف، وهم بهذا متحفزون لاستبدال تاريخ بتاريخ، وذاكرة أصيلة بأخرى مشوهة، ويجدون من الدعم والإسناد السلطوي ما يكثر ضجيجهم ويُعلي أصواتهم..

صراعنا ضد الاستبداد، بكل أنواعه، ومعركتنا ضد الوصاية ليست محصورة في السياسية منها وفقط.، فلن نخوض معركة تحرير الشعب من وصاية سلطة "العسكرة" لنستبدلها بوصاية ثقافية "هوياتية" تنشر سمومها وتفتك بذاكرة الشعب. ولم تزل حاجة المجموعات الوظيفية والدوائر المُسعَرة للحروب الإيديولوجية والاحتراب الثقافي و"اقتتال الهويات" تجري على التاريخ بالزيادة والتهويل والتزييف لتدوم الحياة للأسطورة والجهالة والخرافة وإشعال الحرائق في كل مكان لتصد الشعب عن قضيته وثورته ونهوضه....

والهويات باعتبارها ملاذا جماعيا تلوذ إليه المجموعات البشرية ذات القواسم المشتركة، لحاجتهم إلى الحماية والتعايش، تتراكم بالزمان وتتزاحم بالمكان، والدراسات المعاصرة لا تختزل الإنسان في هوية واحدة، وترى أن الإنسان ظاهرة مركبة متعددة الأبعاد، وإذا فشلت المجتمعات والدول في إدارة وترشيد هوياتها المتعددة، فإن هذا الفشل يفرز تحيزا ثقافيا وعرقيا وصورا نمطية اختزالية وضعفا للثقة بين مكونات المجتمع، وهذا الفشل (الفشل في إدارة الهويات المتعددة) يُفضي إلى تشريع الاستبداد والقمع والكراهية البغيضة وربما إلى انفجارات سياسية...

والأمة الإسلامية، تاريخيا، هي أمة واحدة بشعوب وهويات متعددة، كلها أثرت الحضارة الإسلامية وأسهمت في بنائها..فمفهوم الأمة مركب وليس بسيطا أو ذا بعد واحد، فهناك الأمة بمعناها الديني، وهناك الأمة بمعناها السياسي، وحتى الأمة بمعناها الجغرافي، فليس ثمة قسر وصهر للشعوب في هوية واحدة، بل تتعدد الهويات، إقرارا بالتنوع والتعايش، على امتداد الجغرافيا والتاريخ..

ولم تمتزج الأعراق والثقافات في أي حضارة تاريخية أكثر مما امتزجت في الحضارة الإسلامية..ويوجد في تاريخ الإسلام، ومنذ بداياته، قدرة متميزة على التعايش مع الآخر، والثقة بالنفس تمنح التسامح والتعايش، وهذا يثبت سعة الفضاء الحضاري الإسلامي، ويكشف أيضا خطورة الهويات ضيقة الأفق، والتي سماها المفكر اللبناني الفرنسي "أمين معلوف": الهويات القاتلة، وقد وُفَق في دقة الوصف..وغالبا ما تسود مدرسة التواصل والتعايش في عصور الازدهار والحرية، وتغلب مدرسة القطيعة والشيق في أوقات الأزمات وأزمنة الانحطاط والقمع والاستبداد.

ومتى صدَقت بأن لأحد، أيَا كان، الحق في مصادرة حقوقك، أو قبول ضرر عليك، فهذا ليس دينك، بل طغاة مفسدون يتسللون إليه بزعم وصاية عليك تجاه دينك أو دنياك.ومتى صدَقت بأن تاريخك وهويتك يحددهما متعصبون متطرفون منغلقون على العرق والخرافات، أو يرهبونك لتذعن لأحقادهم، فهذا ليس تاريخك ولا هويتك، بل مبدلون محرفون بزعم الدفاع عن الأصل التاريخي!! 

قراءة 297 مرات آخر تعديل في الإثنين, 18 جانفي 2021 07:16