الإثنين, 08 فيفري 2021 06:31

كيف نَرُدُ الاعتبار للفعل السياسي المؤسس للدولة والحامي لها؟ مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / باحث وكاتب

 تختلف أجوبة الناس عن التساؤل عن كيفية ردّ الاعتبار للفعل السياسي المؤسس للدولة والحامي لها، ومردُّ الاختلاف، عدم الاتّفاق على المراد بالفعل السياسي ومصبّاته ومقاصده، فضلا عن التحديد الدقيق للمراد بالدولة من مختلف النواحي، رأسها السياسي والاجتماعي وأخيرا القانوني.(والإحاطة بذلك ليس هذا مقامها).

ولو ركّزنا على أهمية الدولة في إحداث الوثبة السياسية الحقيقية الجالبة للمجتمع إلى ميدان السياسة: صناعة وحماية وتنمية، لعدنا إلى وجوب الاهتمام باسترداد الشعب للسياسة، لكن عن أية سياسة يتكلمون؟ وما مفهوم الدولة التي يقصدون؟ هل السياسية عملية فلكلورية تتجلى في مهرجانات خطابية ومسرحيات هزيلة نصا وتمثيلا؟

يرى أصحابها أنّ الدولة ملكهم، والوطن مكسبهم، ولا يحق لأحد أن يزاحمهم في ذلك، ومَنْ حدَّثته نفسه بنقد هذا الفريق، سَلَّطَ عليه النظام (بواسطة السلطة التنفيذية) التهم التي لا قِبَلَ له بها (التخوين على الأقل)، والواقع أنّ هذا الفريق يصرّح بما لا مجال الشك فيه بأنّهم هم الدولة وهم الوطن، فيخوّنون من شكّك أو نقد أو بيّن أنّ مسالكهم في مقاربة المسألة السياسية خاطئ تصوّرا وتدبيرا، وأنّ السير فيه يزيدنا بُعْدا عن أفق حلّ المعضلة السياسية في وطننا، بل قد يكونون هم أنفسهم أهمّ معضلات المسألة السياسية في الوطن.يُعْلَمُ أنّ أَهَمَّ عناصر الدولة من الناحية السياسية والقانونية وحتى الاجتماعية هي الشعب، السيادة، ولكن هل تتصوّر دولة دون شعب؟ بمعنى آخر هل للشعب دولة أم هل للدولة شعب؟

الذي يؤسس نظرته للدولة على أساس من الوعي بأهمية الأساس السياسي والقانوني والاجتماعي للدولة يعلم أنّ طريقها الرئيس مبناه الشعب، إذ هو الذي يؤسس الدولة ويصونها وينمّيها، يآليات شفافية تعود الكلمة إليه بطرق واضحة، تُعَدُّ العمدة في وضع الأطر القانونية المفضية إلى نقل إرادته السياسية إلى مقام وضع التصوّرات في الدولة وبرامجها المعبّرة عنها، وهذا يقابله فريق آخر له تصوّر مؤسس على الاستبداد بالدولة والاستفراد بتقرير حاضرها ومستقبلها، فيعطبها عمليا بتصوّراته الخاصة المتجلية في تدبيره لشأن الدولة، فيرى بأنّ للدولة شعبا، والدولة هي النظام (أنا الدولة)، وهو له سلطة غير منبثقة عن الإرادة الشعبية السيّدة، ويتفنّن (النظام) في الحفاظ على المسلك نفسه في التعامل مع المعضلات السياسية.

الغالب في وطننا أنّنا في الحالة الثانية، يتصوّر أصحابه أنّ للدولة شعبا، فلا قرار شعبي في إنشاء الدولة وطبعها بإرادته السيّدة، وهذا وضع لا يسمح بإعادة الاعتبار للفعل السياسي لأجل استرداد الشعب إلى العناية بالفعل السياسي، والعلّة في ذلك ما يأتي:

1-     منطق النظام واحد منذ الاستقلال إلى يوم الناس هذا (حتى يثبت العكس)، فبناء على منطقه يكتب الاختيارات المصيرية كما يحلو له، ويختار شرّاحا لاختياراته – بحسب المضمون- ، ينال كثير من الشرّاح حظا من السلطة التنفيذية أو يقرّب إلى دفء سلطة الأمر الواقع. ومع ثبات منطق الحكم يكون من متطلبات النضال الوطني الراشد اجتماع الكلمة على تغيير هذا المنطق في النظر إلى المسألة السياسية.

2-     المنطق السابق من أهمّ موانع وجود حياة سياسية راشدة وطنية التوجّه وعامة النفع، ذلك أنّ هذا المنطق ملوّث للحياة السياسية ومانع قوّي من أن تكون للسياسية مصداقية في المجتمع.

3-     يُعَدُّ هذا المنطق نفسه في النظر للمسألة السياسية مانع من إعادة الاعتبار للفعل السياسي، بل قد يكون من أهمّ بواعث إهمال العناية بالسياسة، ذلك أنّ عموم الشعب يتصوّر -بحقّ- أنّ هذا المنطق لا يسمح بالنشأة السننية لفعل سياسي حقيق بالاعتبار، بل قد يكون سببا في عدم ثقة الناس بها وبالفاعلين الرسميين فيها.

4-     يؤسس هذا المنطق لتكثير الذباب السياسي، المتعيّش على بقايا ما يتركه الاستبداد لهم من دور، يتلخّص في كتابه حاشية على متنه، وتسويقا لأطروحته المشروخة5

5-     تسويق هذا المنطق بعنوان التأسيس للسياسة الفعلية الحقيقية تبديد للوقت والطاقات والموارد المادية والمعنوية، فضلا عن كونه تضييع للأوقات هدر المقدّرات، وسيكون سببا في تضييع فرصة استعادة الشعب للدولة، واسترداده للمارسة السياسية الراشدة المنتهية به إلى إنشاء الدولة وحراستها وتنميتها.

كلّ ما سبقت الإشارة إليه يؤكّد بما لا مجال للشك فيه أنّ رَد الاعتبار للفعل السياسي المؤسس لدولة والحامي لها عُمْدَة ما تتعلّق به همم كلّ من الصادقين في وطننا، وهو المهمّة المستعجلة للحراك ولكلّ الوطنيين الصادقين النزهاء، وأساس ذلك هو تجاوز منطق أنّ الشعب ملك للدولة كما يتصوّرها الذين أشرنا إليهم، بل نعمل جميعا على تحكيم منطق (الدولة ملك للشعب) يؤسسها وفق إرادته الجماعية، وهذا يفرض اتّفاقا على أنّ أولى الأولويات التوافق على دفع منطق أنّ الدولة تصنع خارج إرادة الشعب، فضلا عن أن تكون مناهضة لإرادته السيّدة، وهذا يوجب التوافق العملي على استعادة الحراك الشعبي الأصلي الأصيل واتّخاذ كلّ أسباب الضغط الشعبي السلمي العارم، وهو أهمّ سُبُل تأسيس الشعب الدولة، ولا شيء غير الشعب، وكلّ الحِيَل التي تُبْعِدنا عن هذا الهدف تخدم منطق الاستبداد بالدولة والتفرّد في تقرير مصيرها بعيدا عن الشعب.

قراءة 70 مرات آخر تعديل في الإثنين, 08 فيفري 2021 06:45