الثلاثاء, 09 فيفري 2021 18:29

النفخ في الاستقطاب الإيديولوجي...عندما يصير التافه "باحثا" والفارغ "مجتهدا" !! مميز

كتب بواسطة : مراقب

ما كنت أدري أن الفارغ والتافه يسمى "باحثا" في التاريخ، ويذهب أحدهم أبعد من ذلك ويرى في الهذيان والسفاهة والفهاهة والدجل "اجتهادا"..لم نصنع من النكرة الغارق في الجهالة ضحية؟ أقصر طريق للشهرة الطعن في الدين، يختصر المسافات ويدفع بالرويبضة إلى صدارة الحدث، ولم يكن شيئا مذكورا في عالم البحث والمعرفة، والمتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، ومن ينخر عقله السوس لا تنفع معه النصوص وإن كانت مقدسة.

والغريب أن بعض المتفلسفين ينسب الفارغ التافه إلى المدرسة المعتزلية، وهذا افتئات وجناية على المعتزلة، فكان منهم العابد الزاهد المتنسك أمثال عمرو بن عبيد والأديب الضليع الجاحظ وقاضي القضاة عبد الجبار القاضي والمفسر اللغوي الزمخشري وغيرهم كثيرون ممن أسهموا في إثراء العلوم والمعارف...أما رويبضة اليوم فبعيدون كل البعد عن المعتزلة، ومن الظلم والجناية نسبتهم إليهم....

لكن لا يُستعان بسلطة قمعية ضد من تستخدمه السلطة نفسها أداة وظيفية في إثارة معارك الهوية والاستقطاب الإيديولوجي، وما يُحتاج إلى سلطة القانون والاحتساب قليل جدا ولا يُتوسع فيه، وكل "تنويري" (مُدَع للتنوير) لا يسهم في فضح الاستبداد فهو "تزويري"، أي تنوير تحت ظلال القمع، بل دجل وتزوير، ولا سيَما حين يقوده قمعي أفاك. ومن يخلط بين حرية الرأي والتعبير وحرية ازدراء الدين والعبث بأصول الديانة، فهذا من الجهل والسفه، إذ هم ينتصرون لحرية الهرطقة والدجل باسم حرية التعبير، ولا تزال المجتمعات المسلمة متشبثة بعقائدها ملتزمة بشعائرها وعباداتها، إجمالا، والردع المجتمعي للعبث والجحل  ليس من قبيل إكراه الناس على الاعتقاد، وإنما حماية لعقائد الناس وصونا لديانتهم في مجتمعات مسلمة، وحدود الحرية يحددها أي مجتمع بحدود ثقافته ودينه.

وهنا لا نخلط بين مستويات المسؤولية: مستوى ضمير الفرد، ومستوى سلطان المجتمع، ومستوى تدخل الدولة. فعلى هذا، يُمنع التطاول على المقدسات لما فيه ضرر بالآخرين وإهانة للمقدسات، وهذا دون النبش في معتقد المتطاول ولا التدخل في اختياراته وخصوصيات في حياة الناس باسم الدين، حتى لا نخلط بين الاعتقاد الخاص وبين التطاول والمجاهرة بالإساءة لأصول الاعتقاد والديانة، فليس من وظيفة السلطة إلزام الناس بنمط معين من الحياة، وإنما واجبها العدل والشورى ورعاية مصالح الناس، وليس من مصلحة المجتمع أن تتضخم وظيفة الضبط والتحكم في الدولة، والمطلوب تقليصها في حدود الضرورة لا توسعتها.

وعلى هذا، فالأصل أن المجتمع هو المستأمن على اعتقاده وأصول ديانته والسلطة مجرد نائب عنه لا وصية عليه، وأن نجمع الناس على قيمتي العدالة والحرية وليس على فرض نمط معين من الحياة الشخصية، لكن المجاهرة بالتطاول والاستهزاء بالمقدسات قد خرج عن طور خصوصيات الحياة الشخصية إلا الإضرار بعقائد المجتمع وأصول ديانته.

وأسوأ ما في طغيان الحريات الفردية اعتبار الدين شأنا خاصا بإطلاق. نعم هناك جوانب خاصة، لكن هناك بعض المظاهر العامة للدين، مظاهر جمعية هي من شعائر الله، نحتاج إلى صياغة نمط حضاري لمفهوم الحرية الفردية، لا طغيان فيه لأغلبية ولا أقلية ولا فرد ولا جماعة..

وهناك إشكال في مفهوم الحرية الفردية كونه شكلا من أشكال الطغيان، بالمنظور الفلسفي الغربي المادي، فالحرية الفردية رد فعل على طغيان جمعي، ولكنها فتحت الطريق لتمدد الفرد على قيم الجماعة. حتى في الغرب كان هناك إحساس بهذا الطغيان الفرداني فتدخلت الدولة في بعض المساحات، حتى تحمي المجتمع من تطرف الفرد الرأسمالي، إذ جعلت منه الفلسفة المادية الغربية طاغية لا يُسأل عما يفعل، وكأنه إله نفسه..

وهناك فصل بين حق أي إنسان أن يعتنق ما شاء، وحق كل إنسان في ممارسة التخطئة والتكذيب للأفكار، وبين الاعتداء على المطلق الديني (فلكل دين مطلق) أو محكمات الدين وحقائقه الثابتة..والكرامة حق لكل إنسان من نختلف معه ومن نتفق، وهذه القضايا تتجاور وتتعايش دون طغيان أو اعتداء...

ومشكلة كثير من "مثقفينا" أنهم تبنوا عُقدة إرث المثقف الأوروبي المتطرف خاصة، فالمثقف في الغرب هو من واجه الدين وحطمه، وما كان الدين، قط، محور التاريخ الأوروبي، بل ظل دائما على أطرافه، أما عندنا فالدين كان ولا يزال محور الحياة، وهو أمر يحتاج المثقفون في مجتمعاتنا إلى معرفته والاعتراف به.

ومهم، هنا، أن يتنادى المثقفون والمفكرون وأصحاب الرأي إلى الجمع بين صيانة الدين وحقائقه وتكريس الحرية ليكون هذا أساسا لإجماع أخلاقي نتجاوز به أنواع الدجل والزندقة والانتقائية والتحيز الأعمى والطعن الفاحش للمقدسات، ونميز به بين حرية الرأي الواجبة وحرية المجاهرة بالتطاول والدجل...

 

قراءة 348 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 10 فيفري 2021 11:56