الجمعة, 16 أفريل 2021 10:47

إخضاع الدين.. مميز

كتب بواسطة :

الدين ليس بحاجة إلى إكراه الدولة وإملائها ولا إلى مؤسسة أو وزارة أ مشيخة تتحدث باسمه.. وأنظمتنا القهرية تبنت النمط العلماني الأكثر تسلطا (وتجسده فرنسا) وهو النفور من الظاهرة الدينية عموما، وأنه من واجبات الدولة تحديده ولجمه وعدم إظهاره في المجال العام...وهذا في أكثر الدول الأوروبية التي حصل فيها ثورات على ما يُسمى "النظام القديم"، والذي غلب عليه التشابك بين المؤسسة الدينية والمؤسسة الملكية، فبرز فيها موقف معاد للدين لارتباط الكنيسة بالتسلط والهيمنة والتحالف مع القصر.

وقد بدأت الإصلاحات الفرنسية في إخضاع الكنيسة للدولة في عهد لويس السادس عشر، وحاول جاهدا أن يخضع الكنيسة الكاثوليكية لسلطة الملك، وعلى هذا، فالشكل الأول للعلمانية (وهي أصلا مصطلح كنسي، خرج من الكنيسة) هو إخضاع الدين للدولة، بمعنى أن يكون ولاء الكنيسة للدولة الوطنية وليس لأي قوة خارجها..ولذلك، انتهت سلسلة الحروب الأهلية التي عمَت أوروبا (في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلادي) إلى مبدأ أن الناس على دين ملوكها (بمعنى أن الدين يجب أن يخضع للدولة)..

وبهذا، كانت العلمانية، إجمالا، ردا على طغيان الكهنوت.. وجاءت العلمانية لإخضاع الدين (الكنيسة) لسلطة الدولة، ولم يحصل، تاريخيا، وفقا لدارسين وباحثين، في السياق الأوروبي الحديث، فصل بين الكنيسة والدولة كما يتصور بعضنا، لأنهما كانا منفصلين أساسا..الكنيسة ونظامها وأملاكها وتراتبية رؤسائها كانت منفصلة عن بلاط الملك وسلطته.. سلطان الكنيسة يمارس نفوذه في الفضاء العام في استقلالية تامة. بمعنى آخر، كانت هناك سلطتان في حياة الناس: يُفترض أن تكون سلطة الكنيسة روحية، وسلطة الملك زمنية، ولكن واقعيا كلتا السلطتين تمارس الفعل السياسي.

ولهذا، كان يحصل الصدام بين السلطتين، وأحيانا تتوافق، وأحيانا تهيمن إحداهما على الأخرى. وهذا الفصل بين الكنيسة والدولة انتهى مع قدوم العلمانية، فقبل معاهدة وستفاليا 1648، كان يحكم واقع الناس في أوروبا كيانان موازيان ومنفصلان.. الكنيسة من جهة والملك أو الأمير أو الحاكم من جهة أخرى. فالعلمانية لم تأت بالفصل بين الدين والدولة، وإنما دمجت الدين في جسد الدولة، بحيث لم تعد ثمة سلطتان، هناك سلطة واحدة، وفقط، هي الدولة. إذ إن الدولة القومية دمجت الدين في جسدها وصار تحت هيمنتها وأخضعته لسلطانها. وهذا لا يستقيم البتة مع إسلامنا، ومخالف لطبيعة ديننا، إذ إن ديننا غير قابل للإخضاع ولا للتجزئة ولا للحصر ولا للعزل.

قراءة 171 مرات آخر تعديل في الجمعة, 16 أفريل 2021 11:00