الأحد, 02 ماي 2021 08:48

"أئمة الـccp" والحراك.. هل صحيح أن الدين أفيون الشعوب؟ مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

برزت داخل الحراك الشعبي، نقاشات حول جدلية شيوخ الدين والسلطة، ووجّه كثير من المشاركين في الحراك انتقادات للأئمة والشيوخ بسبب عدم مساندتهم للحراك. وفي الأسطر التالية نحاول تحليل هذه الظاهرة بشكل مختصر، وندرس مدى صحّة هذه الاتهامات اتجاه الأئمة والشيوخ.  إن الدور الحقيقي للباحثين عن الحقيقة، ليس تكرار العبارات التي يردّدها الجميع دون تمحيص، بحيث تصبح مع الوقت مقولات مقدّسة لا تناقش، بل واجبهم هو كسر التعميمات والتنميطات التي تُطلق أحكامًا شاملة على مجموعة بشريّة واسعة ومتنوّعة، في محاولة قولبتها في صورة أشبه بالكاريكاتير. وقد كان الشيوخ والأئمة أحد ضحايا هذه القولبة، إذ انتشرت عبارة "أئمة الـccp"، وأصبحت أشبه بالمقولة الجاهزة، باعتبار الأئمة جميعًا خدمًا للسلطان، يتبعون أوامر الحكومة ويحرّمون على الناس الخروج عليها.

ويذهب البعض حتى اعتبار التيار الديني كله أو حتى الدين نفسه مجرّد وسيلة تستعملها السلطة لتدجين الشعوب وإخضاعها ويستذكرون مقولة ماركس "الدين أفيون الشعوب"، وليس هدف هذا المقال هو الدفاع أو الهجوم على الأئمة والشيوخ، أو إنكار وجود ظاهرة "فقهاء السلاطين" التي لها جذور تاريخية طويلة، ولكن الواقع غالبًا ما يكون معقدًا وتتداخل فيه العديد من العوامل، وليس بالاختزالية التي تبدو عليه، ولكل قصة جوانب أخرى قد لا تبرز للنور.  

جدليّة الدين والسلطة في تاريخنا الجزائري تظهر بشكل بارز منذ دخول الاستعمار إلى البلاد، ذلك أن هنالك زوايا صوفية وشيوخًا عملوا لصالح الاستعمار، وشرَعوا وجوده، وحرّموا على المسلمين قتاله بحجّة عدم القدرة عليه، وأشهر هؤلاء، موقف الزاوية التيجانية من الاستعمار، بالإضافة إلى الفتوى الشهيرة للجاسوس ليون روش، الذي استطاع خداع فقهاء من العالم الإسلامي في كل من القيروان والأزهر والحرم المكيّ لاستصدار فتوى تحرّم الجهاد ضد الاستعمار.

لكن هذا ليس هو الجانب الوحيد من القصّة، فكما انخدع فقهاء هذه المؤسسات الدينية بالجاسوس ليون روش وادعائه الإسلام، هنالك فقهاء آخرون وقفوا في وجه ليون روش وعارضوه، وأبرزهم محمد بن علي السنوسي الذي حذّر الفقهاء من تصديقه، بالإضافة إلى الشيخ علّيش، مفتي المالكية في الأزهر، الذي ساند جهاد الأمير عبد القادر ضد الاستعمار الفرنسي. لكن موقف الزاوية التيجانية أو فتوى ليون روش تبقى هي الاستثناء وليست الأصل، بل إن المقاومات الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي طيلة القرن 19 كانت الصبغة الدينية هي أهم مكوّناتها، وقد شاركت في هذه المقاومات الزاوية القادرية والرحمانية والدرقاوية غيرها، وكانت الأغلبية الساحقة لقادة المقاومات المسلّحة من رجال الدين، كالأمير عبد القادر شيخ الزاوية القادرية ولالة فاطمة نسومر شيخة زاوية ورجة في جبال جرجرة، بالإضافة إلى الشيخ الدرقاوي والسعدي، وعشرات المرابطين الذين تسمّوا باسم "محمد بن عبدالله" كالشريف بوبغلة وبومعزة وبوحمار، بالإضافة إلى بوعمامة الذي كان مقدّم زاوية أيضًا، وكلهم استعملوا الدين وعملوا على تثويره من أجل حشد المجتمع المحلي لطرد الاستعمار، وكان أغلب أتباعهم وجنودهم من طلبة الزوايا القرآنية.

 أغلب هذه الأسماء المقاوِمة استغلّت العاطفة الدينية من أجل أغراض وطنية، لطرد الاستعمار والتحريض ضده وتجييش المجتمع ضدّه، وفي ذات الوقت كان هنالك خصوم لهم من الزوايا والشيوخ المنافسين الذين تقرّبوا من الاستعمار وعملوا لصالحه؛ وبالتالي فإن علاقة الحقل الديني بالسلطة الاستعمارية في تلك الحقبة لم تكن في اتجاه واحد، بل كانت علاقة صراع واختلاف، يحاول كل طرف فيهم تأويل الدين وتفسيره لما يخدم أهدافه الشخصية: الانبطاحية في حالة المساندين للاستعمار، أو أهدافه الوطنية التحرّرية في حالة المقاومين.

وبالتالي، فإن الدين لعب الدور الرئيسي في حشد المجتمع المحلي وتحفيزه لمقاومة المستعمر "الكافر"، وكانت الزوايا تلعب إلى حدّ كبير دور "المجتمع المدني"، حيث تضطلع على أدوار اجتماعية وسياسية وقضائية، وتتحوّل في وقت الحاجة إلى ثكنات عسكرية تنطلق منها قوافل الجهاد ضد الاستعمار.  من خلال هذه التوطئة التاريخية، أعود إلى تفاصيل الحراك الشعبي، والذي يعيب كثير من المشاركين فيه موقف الأئمة والفقهاء من الحراك، وتتردّد عبارة "أئمة الـCCP"، خصوصًا ضد الشيوخ الذين إما يمتنعون ويصمتون عن مساندة الحراك بشكل علني، أو أولئك الذين يحرّمون على الشعوب ممارسة حقها في الاحتجاج السلمي بحجّة "عدم الخروج على الحاكم". هنا ينبغي التفصيل في وجود تيّارات مختلفة داخل الحقل الديني، وموقفها اتجاه السلطة الحاكمة شديد التنوّع، ولا يمكن تعميم رأي واحد عليها.

وليس هذا مقام التفصيل في الاختلافات الشديدة للإسلاميين وموقفهم من السلطة، وهي متنوّعة من أقصى اليمين ممثلا في السلفية الجهادية التي ترفع السلاح ضد السلطة، إلى أقصى اليسار مع التيارات الموالية للسلطة بشكل كامل. لكن نذكر فقط التيّار المدخلي الذي له ارتباطات مع شيوخ وحكّام السعودية، وهذا يرى حرمة الخروج على الحاكم بشكل مطلق مهما كانت الظروف، وهي فتوى لا تخلو من الانبطاح والاستسلام، وتذكّرنا بفتوى ليون روش التي ذكرتها سابقًا.  

وهنالك تيار من الأئمة الذي يرى أن موقعه لا يسمح له بالتعبير عن مواقف سياسية سواء بالتأييد أو الاعتراض، باعتبار المسجد مكانًا محايدًا اتجاه القضايا السياسية، تمامًا مثلما لا يجوز للمعلم أن يحشد للحراك في مدرسته، أو للطبيب أن يدعو مرضاه للمشاركة في المظاهرات. وهنالك تيار آخر من الفقهاء والشيوخ، وقف مع الحراك وسانده وطالب الحكومة بكل وضوح بتسليم السلطة للشعب، وذلك من خلال "بيان العلماء" الذي صدر في 30 مايو 2019، والذي جاء في توقيت شديد الحساسية والدقّة، حين انخدع الكثيرون بدعاية القيادة العسكرية آنذاك وخدعة انحيازها للحراك، وأكاذيبها التي قسّمت الحراك بحجة الباديسية النوفمبرية ومحاربة الزواف وغيرها من الدعايات، فجاء "بيان العلماء" ليساند الحراك ويدعم استمراريته ويطالب السلطة بتفعيل المادة 7و8 وإسناد "المرحلة الانتقالية" إلى وجوه نزيهة، حسب البيان. وكان أبرز الموقّعين على البيان هو الشيخ الطاهر آيت علجت بالإضافة إلى مجموعة من الشيوخ.

عندما اندلع الحراك الشعبي في الجزائر، أحد زلزالا في العديد من القطاعات والمجالات، بما فيها مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية، إذ شهدنا حدوث انشقاقات داخل جهاز الشرطة، بانضمام بعض الوجوه إلى الحراك الشعبي، من بينهم توفيق حساني الموجود في السجن، والكثيرين غيره، كما عرفت الجزائر طرد العديد من الموظفين في العديد من القطاعات بسبب مساندتهم للحراك. ولم يشذّ الأئمة عن هذه الظاهرة، فهنالك أئمة وقفوا مع الحراك وعارضوا خطّ السلطة، وتعرّضوا بسبب ذلك للمضايقات والطرد من العمل؛ أبرزهم الإمام الشيخ مرغني أحمد من واد سوف، الذي اعتقل في 10 ديسمبر 2019، وحُكم في حقه بالحبس سنة نافذة وغرامة 50 ألف دينار جزائري بسبب مشاركته في الحراك. بالإضافة إلى الشيخ خير الدين عوير، إمام مسجد الرحمة، وهو المسجد الأيقوني في العاصمة، الذي تنطلق منه مسيرات الحراك الشعبي كل جمعة.

وكان الشيخ عوير، قد ألقى درسًا دينيًا في 22 فبراير 2019، رد فيه على القائلين بتحريم المظاهرات والاحتجاجات ضد السلطة، وقال بجوازها بشرط التزام السلمية. كما عارض في خطبة أخرى توقيف قرار السلطة باستمرار توقيف صلاة الجمعة بسبب إجراءات الحجر الصحي رغم افتتاح المطاعم والمقاهي والشواطئ وباقي المرافق، وهو ما أدى إلى توقيفه من العمل. 

الشيخ ياسين لراري من بوزريعة، كان أيضًا ضحية للتوقيف من الخطابة في صلاة الجمعة، وذلك بسبب تصريح شهير له انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي، ينتقد السلطة في تشديدها لإجراءات الوقاية الصحية على المساجد، عكس باقي المرافق الأخرى المفتوحة؛ وقد نال تعاطفًا كبيرًا من المشاركين في الحراك، إذ رفع بعضهم صوره في الجمعة 113 وهتف بعضهم باسمه مرددين: "يا الأئمة نتوما ثاني، ديرو كيما ياسين لراري". أيضًا مُنع في العاصمة، المُقرئ حمزة تكارلي من إمامة صلاة التراويح بسبب مشاركته في الحراك الشعبي.

وتمثل هذه الحالات مجرد نماذج فقط استطعنا رصدها، ويرجّح وجود حالات أخرى في المدن والولايات الداخلية التي لا تحظى بتغطية إعلامية مهمة. وتأتي هذه المضايقات والمحاكمات للأئمة في إطار كونهم كغيرهم جزءا من المجتمع الجزائري، يتأثرون ويؤثرون في الظواهر والأحداث السياسية والاجتماعية التي يشهدها، وليسوا طائفة معزولة عن عموم الشعب وهمومه، وبالتالي فإن وصمهم جميعا بالتبعية للنظام بعيد عن الدقة والموضوعية.

قراءة 36 مرات آخر تعديل في الأحد, 02 ماي 2021 09:09