الأحد, 08 أوت 2021 17:10

حاجة حركة التغيير إلى طبقة سياسية ومثقفة جديدة مميز

كتب بواسطة :

هناك فرق بين المثقفين والطبقة السياسية من حيث التحصيل المعرفي والتكوين والأهلية ومن حيث الوعي بالحال والتحرر من قيود السلطة، ولو تساهلنا في التفريق بين مستويات المثقفين والسياسيين، فإن هناك فروقا كبيرة تميز بين المثقفين والسياسيين من حيث الأداء والفعَالية، فقد يكون التأسيس المعرفي عميقا وواسعا، ولكنَ أداءه يقتصر على التأثير في دائرة أو مجموعة صغيرة، وهناك من يوازيه أو يتفوق عليه معرفيا وأداء ويؤثر في مختلف الطبقات، وهذا هو المثقف العام أو السياسي الحصيف البارع.. وهناك "المثقف الشعبوي" وهو صاحب الجماهيرية والاستجابة لصوت الجماهير وإن لم تكن على صواب، فيقول ما يسر المستمعين ويطربهم، هذا النوع من المثقفين قد ينفع مرة لكنه ربما يضر مرات..

والمثقف العام والسياسي الرسالي المؤثر منسجم مع نفسه، لا يصطنع ما ليس له، صاحب تكوين وتحصيل ووعي وعقل تجديدي توليدي، وكلما كان أقدر وأكثر تأهيلا كان غالبا أكثر تواضعا وأقل اغترار، إذ التعالي يصنع كراهية للحق الذي يحمله المثقف العام أو السياسي..وذلك هو النداء المستمر للمثقف العام والسياسي المؤثر بأن يتجرد للحق وأن يقاوم ضعفه الشخصي وجهله، فيضحي من أجل المصالح العامة وحركة التغيير لا أن يبرر ضعفه ويجعل من هواه مصالح عامة، وأن يطور قدراته ويقترب أكثر من الحياة العملية للمجتمع، هذا الذي نفتقده في حركة المجتمع الناهض، أو يندر وجوده، وهذا الذي لم تفرزه الحركة التغييرية حتى الآن، أو موجود مع قلته وبعيد عن ساحات وقلاع التأثير، لكن أيَا ما كان أظهرت الشدائد الأخيرة أن الطبقة السياسية هزيلة تترنح، وأن المثقف العام المؤثر في مجتمعنا لا يكاد يُرى، وقلة قليلة تصدت، في الأزمات الأخيرة، للشأن العام وواجهت المخاطر والتهديدات، وأكثر من كانوا يحدثون ضجيجا وصخبا تواروا عن الأنظار ولم يظهر لهم أثر إلا تعليقات باهتة هنا وهناك..

أمامنا عمل عميق متشعب لا بد أن يُنجز لتكوين المثقف العام الحاضر بقوة في حياة الناس وقضاياهم، والسياسي الواعي البارع المستوعب للأفكار والظروف والأشخاص المتزن المؤثر...هذا عمل يجتمع عليه أولو الأبصار والعقول الراجحة وأهل الخير والعطاء لتجاوز حالة الضعف وغياب التأثير على مستوى المثقفين والسياسيين، تحصيلا معرفيا وتطويرا للقدرات وإنضاجا للأهلية، وتكوينا لطبقة من السياسيين والمثقفين القياديين المؤثرين، فحركة التغيير الشعبية بلا قيادة جماعية وعقول تخطيطية وبراعة في التقدير والتدبير ستكون حالة اندفاع وانفعال عابرة.. النخبة البالية خذلت، إجمالا، الحركة التغييرية الشعبية، وليست ممن يُراهن ويُعوَل عليها، وليس أمامنا إلا أن نصنع طبقة أو نخبة سياسية ومثقفة جديدة وننفض الغبار عن المغمورين المؤهلين ونهتم بالتكوين والتأهيل والتحصيل، وإلا فإن الانتظار السلبي لا يصنع تغييرا ولا يؤهل مجتمعا.. ويبقى النداء المستمر للمثقف والمؤثر بأن يتجرد للحق، وأن يقاوم ضعفه الشخصي، ولا أن يُحوَل عقدته الشخصية ومرضه إلى مذهب فكري يلزم به غيره، فمن كان مريضا أو مُصابا بعقد نفسية وفكرية فليراجع الطبيب، لا أن يصطنع ما ليس فيه..

وقد يفهم المثقف خطأ أن مكانته وشهرته وتأثيره يعني الصواب المستمر، وهذا ليس صحيحا، بل قد يكون صوابه في وقت ما مهواة به إلى أخطاء فظيعة في أوقات أخرى عندما ينسى أسباب الصواب السابقة، فالواعي بنفسه وإمكاناته يجاهد على جبهتين: جبهة المصالح العامة وتقديمها، وجبهة مواجهة "الأنا" وما تزرعه النفس من اعتداد بالنفس والاغترار قد يُضعف الوعي الذاتي..وبعض المثقفين والناشطين تحولوا إلى كائنات صغيرة جدا، وربما كان أحدهم يحمل معارف وإمكانات تؤهله لأن يكون كبيرا مؤثرا، ولكنه لم يستطع أن يقاوم نزعات عنصرية أو قومية متطرفة، إنهم يملكون ولا يعرفون كيف يوائمون بين مطالب العلوَ ونزعات الصغار، ويتوقعون أن استجابتهم لدوافع الصَغار المريحة للذات وللعشيرة والعصبيات الضيقة هي الغاية، فيسقط في مستنقع التعصب والعنصرية، فتتشعب به السبل ويضل الطريق..

قراءة 172 مرات آخر تعديل في الأحد, 08 أوت 2021 17:22