الأحد, 22 أوت 2021 21:11

عن الهُوية والفتنة...حتى لا نُفسد من حيث نظن أننا نُصلح مميز

كتب بواسطة :

ساقني القدر إلى أن أستمع لبعض الوقت لحديث أحد الأئمة والأشياخ في إحدى الإذاعات الوطنية عن الفتنة والعنصرية، وحديثه لا يختلف عن كلام أئمة وخطباء، من التحذير من الفتنة والنفخ في العنصرية، والفتنة أشد من القتل، لكن بأسلوب نمطي تجريدي أقرب إلى الوعظ، منزوع العمق ومغيب الحقائق، وكأنه لا توجد فتنة إلا في النفخ في العنصرية، وليس ثمة عنصرية إلا في منطقة معينة، وكأن عليها أن تثبت براءتها مما ألصقت به زورا وبهتانا أو اختطافا ووصاية من أقلية، وكأن الهوية جوهر أحادي جامد منغلق لا يقبل التعدد.

وأغلب الحديث والكتابات القومية والإسلامية والوطنية، عموما، عن الهُويَة خلال القرن العشرين طغى فيها الحشد الخطابي على التأمل المعرفي، والاختزال الأيديولوجي على النزوع الإنساني والمعرفي المستوعب للأفكار والتحولات والظرف والبيئة والإرث، فلم تنطلق من التسليم بشرعية الهويات المتعددة، والاعتراف لها بحقها في الوجود والاحترام، وإنما انطلقت من اختزال نظري لمسألة الهُوية، وسعي عملي لتغليب هوية على غيرها قهرا وقسرا، وكان من نتائج هذا الشطط تفجُر صراعات مركّبة داخل الكيان والبلد الواحد، استنزف المجتمع وشغله عن تحقيق مطامحها في العدل والحرية، فالذين يحدوهم الخوف على التشديد على الهوية من دون الثقة بالنفس والانفتاح على الغير، ينتهي بهم ألأمر غالبا إلى إفقار الذات حرصا على حمايتها من الآخر.

وفي مقابل هذا الإفراط في الانغلاق، والتعبير المغالي عن الهوية والخصوصية، شطح بعض المثقفين إلى نفي الذات، ونعيها في وجه سطوة الإرهاب الفكري للقوميات المتطرفة أو الحركات العنصرية المعادية، وصار يبشر بهوية لا هوية لها.وقد أحسن الكاتب والمفكر "أمين معلوف" في كشفه عن بؤس وفقر الانحباس في هذين الخيارين، فكتب: "لا يمكننا أن نكتفي بأن نفرض على مليارات الناس الضائعين الاختيار بين التأكيد المفرط لهويتهم وفقدان كل هُوية".

فمهم مراجعة النظرة القديمة إلى الهُوية، كما لو أنها مُعطى أحادي ثابت، فالتحولات الأخيرة في العلوم الإنسانية والاجتماعية تعتبر الهُوية مجالا مركبا مرنا وفي تشكل مستمر، مراعاة لمقتضيات الإمكان الإنساني، كما انتقل التركيز على الهُوية باعتبارها حقيقة صلبة قائمة بذاتها إلى التركيز عليها بوصفها علاقة تنوع وتفاعل وتكامل مع الآخرين، للسياق والمكان والموضع أعظم الأثر فيه.

وتكاد أكثر الدراسات الجديدة الجادة تتأسس على إدراك "ثراء الذات" الإنسانية وتركيبها وانغتاحها ومرونتها، وتتخلص من النظرة التبسيطية والأحادية إلى الهوية. وعلى هذا، فإدارة الهويات المتعددة إدارة راشدة تثمر الانسجام الاجتماعي والثراء الثقافي والامتزاج العرقي، وأما الفشل في ذلك فيفضي إلى التحيز الثقافي والعرقي والصور النمطية الاختزالية وضعف الثقة بين مكونات المجتمع، ونشر الكراهية البغيضة والانفجارات الاجتماعية والسياسية والمناطقية.

فالواجب على من يتصدى للفتنة أن يكون مستوعبا لحقيقة الصراع واعيا على دراية بما يجري، مثقفا منفتحا ومدركا للبيئة المحلية وظروفها وحساسيتها والإرث التاريخي المشحون والمظالم المتراكمة، حتى لا يُستخدم من أطراف الصراع المتناحرة أو يخضع لنزوات عصبية ضيقة.

وعودا على بدء: "الفتنة" هي أن يستأثر مجموعة لصوص بالثروات، ويتركون شعوبهم غارقة في بحار الفقر والبطالة والديون، إلى أن تنفجر بشكل طبيعي. ولا فتنة أكبر من الطغيان والإفساد، والساكتين عن المظالم والمؤثرين للصمت والمنسحبين من معارك الساعة، وقد كان الفقهاء والعلماء طلائع التحرر من استبداد الحاكم، ورؤوس المعارضة السياسية منذ المائة الأولى للهجرة وما بعدها...والفتنة هي السجن، ومصادرة الحريات، والإمعان في الإهانة والإذلال، وتجريم الكلام ومنع الناصحين من القول، وإذا ضاقت الحرية وتوسعت السجون وعلت أصوات المنافقين والمُطبلين وازدادت المظالم وفاض الاحتقان، اقتربنا أكثر فأكثر من حافة الهاوية.. 

قراءة 105 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 24 أوت 2021 19:44