الإثنين, 20 سبتمبر 2021 20:38

عندما تطمسُ "الوطن" منارة المسجد مميز

كتب بواسطة :

كثير من قضايا التحيز الأعمى ضد الإسلام (ومنها صنيع صحيفة "الوطن" الناطقة بالفرنسية مع "المسجد الأعظم"، فقد حذفت صحيفة منارة جامع الجزائر من واجهة صفحتها الأولى لعدد اليوم الإثنين، في تغطيتها للموكب الجنائزي للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة)، لا علاقة لها بالعلمانية، وإنما هي ثمرة من ثمرات التعصب والحقد والتسلط، والصحيفة وأمثالها معروفة بالمواقف الحاقدة والمنحازة ضد التدين وحضور الدين في الشأن العام. وقد عرف معجم لاروس الفرنسي العلمانية بأنها "فصل الكنيسة عن الدولة"، وهذا هو أدق تعريف لها، لأنه يضعها في سياقها الثقافي والاجتماعي، ويكشف عن حدودها الزمانية والمكانية، على خلاف التعريف الرائج المُبهم..وظل تأثير الدين في السياسة والثقافة الغربية عميقا جدا وإلى يومنا هذا، باستثناء فرنسا المعادية والمحملة بالعقد النفسية من الإسلام وتعدى هذا المرض إلى أتباعها.

ثم إن العلمانية ظاهرة مسيحية، فهي نتاج تاريخي لصراع داخل المجتمع النصراني، حاول فيه رجل الكنيسة مصادرة اختيار الناس بادعاء تفويض من الخالق لقيادة الخلق، فأوقفه الناس عند حده. فليست العلمانية قيمة عالمية، وحيث لا توجد سلطة كنسية متألهة فلا حاجة للعلمانية، فلم يدع إمام المسجد تفويضا إلهيا لقيادة أمور الناس السياسية، حتى يتم الفصل بينه وبين الدولة، ولم يكن هنالك "وصل" من النوع الذي عرفه التاريخ الأوروبي يجعل الناس بحاجة إلى "فصل" من النوع الذي فعله الأوروبيون...وفي بعض المجتمعات الغربية كان المجتمع المدني هو البديل عن الكنيسة وعن فرق الكنائس المتناحرة، فكان هو المجتمع البديل عن مجتمع تسيطر عليه الكنيسة وحروبها وبخاصة بعد مرارة الحروب الدينية الشنيعة التي استمرت إحداها مائة عام وأخرى ثلاثين عاما، فالمجتمع المدني مجتمع جاء منقذا من تعصب الكنيسة وبخاصة أنها كانت تملك المال والتعليم، ومنقذا من صراعات الأمراء المتحالفين معها، فكانت فكرة المجتمع المدني إنقاذا للناس من الكنيسة ومن الاستبداد السياسي والفكري والمالي المتضامن ضد مصالح المجتمع.

وكان هروب أوربا من الدين بسبب صلة "رجال الدين" الكنسيين الفاسدين بالحكام المستبدين، فتركت الشعوب الاستبداد وصاغت حياة جديدة بعيدة عن شرور الطغيان..وسلخُ الإسلام وتجريده وإبعاده عن الشأن العام، باسم التسلط العلماني، وفرض الرهبانية السياسية عليه مستحيل، والحاقدون عندنا تبنوا النمط العلماني الأكثر تسلطا (وتجسده فرنسا) وهو النفور من الظاهرة الدينية عموما، وأنه من واجبات الدولة تحديده ولجمه وعدم إظهاره في المجال العام، وهذا في أكثر الدول الأوروبية التي حصل فيها ثورات على ما يُسمى "النظام القديم"، والذي غلب عليه التشابك بين المؤسسة الدينية والمؤسسة الملكية، فبرز فيها موقف معاد للدين لارتباط الكنيسة بالتسلط والهيمنة والتحالف مع القصر.

وقد بدأت الإصلاحات الفرنسية في إخضاع الكنيسة للدولة في عهد لويس السادس عشر، وحاول جاهدا أن يخضع الكنيسة الكاثوليكية لسلطة الملك، وعلى هذا، فالشكل الأول للعلمانية (وهي أصلا مصطلح كنسي، خرج من الكنيسة) هو إخضاع الدين للدولة، بمعنى أن يكون ولاء الكنيسة للدولة الوطنية وليس لأي قوة خارجها..ولذلك، انتهت سلسلة الحروب الأهلية التي عمَت أوروبا (في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلادي) إلى مبدأ أن الناس على دين ملوكها (بمعنى أن الدين يجب أن يخضع للدولة)..وبهذا، كانت العلمانية، إجمالا، ردا على طغيان الكهنوت..فالمواقف الحاقدة المعادية للدين أو المخاصمة لا علاقة لها بالعلمانية وتعريفها ولا بسياقها التاريخي ولا بحقيقتها..

وليس كل معركة نراها صغيرة هي ملهاة، هذا غير صحيح، وما تراه أنت ملهاة لا يراه غيرك كذلك، وما تراه ليس هو المعتمد، فضلا عن أن تلزم أو تلمز به غيرك، والمعركة ضد العبث بالدين هي في قلب المعركة ضد الاستبداد والطغيان والتسلط، ولا يقتل الفكرة إلا السكوت عنها أو خذلانها من الوصول للناس، وكم من حق اغتاله الصامتون، والقضايا الكبرى لا تُسقط القضايا التي قد يراها بعضنا صُغرى، ولأن القضايا التي تُرى صُغرى في لحظة الذهول والإغراق والانغماس ستكون مع مرور الوقت كُبرى، فأرجو أن تتسع رؤيتنا...والمبالغة في التشكيك مرض قد يثير الغبار في وجه من لا يرضى بالصمت عن التعبير عن الحق.

ومع كل هذا الطيش والانحياز الأعمى ضد الدين، يبقى الغلق وحجب الصحف صناعة العاجز الفاشل، الغارق في ظلمات الانحطاط، هذا منطق المفلس الفارغ، المتاجر بالقضايا تدليسا وتضليلا، وليس من مصلحة المجتمع أصلا أن تتضخم وظيفة الضبط والتحكم في الدولة، هذه قضية مجتمع وضمير فلا مكان للسلطة فيها إلا ما كان متاجرة وابتذالا وركوبا للموجة. والأولى في مجتمعات الاستبداد أن لا يُفتح مجال واسع للسلطة كي تقيد حرية الرأي على وفق مصلحتها، وإن تدخلت فضروري الالتزام بالحد الأدنى من التقنين والحد الأعلى من الحرية.. والقاعدة الذهبية في هذا: حصّن حرية الرأي أولا ثم ناقش الاستثناءات لاحقا...ولو تبادلنا قول الحق كل بحسبه لصلحت أوضاعنا، وهذا خير من التجاهل بدعوى "الإلهاء" أو التذرع بأعذار تمنع قول الحق وترسخ الباطل.. ومهم الجمع بين صيانة الدين ورموزه وتكريس الحرية ليكون هذا أساسا لإجماع أخلاقي نتجاوز به أنواع الدجل والزندقة والانتقائية والتحيز الأعمى ضد الدين..

قراءة 202 مرات آخر تعديل في الإثنين, 20 سبتمبر 2021 20:58