الإثنين, 18 أكتوير 2021 20:39

لماذا الحاجة إلى سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم)؟ مميز

كتب بواسطة : مراقب

الحديث عن الحاجة إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أهمَ من أي جانب من الجوانب التفصيلية فيها، وهذا لأن هناك نوعا من الإهمال سواء كان من المثقفين أو من العلماء أو النظرة العامة للأمة لسيرة الرسول، وكأنها أصبحت إحدى الموضوعات الثانوية، على الرغم من أنها هي الأساس في وجود الحالة الإسلامية. ولكن لماذا الحاجة المُلحة إلى السيرة النبوية؟

- أولا لأنها المدخل الأساسي لقضية الإسلام والإقرار بالنبوة، فهي (أي السيرة) التي تضبط الفهم والمعيار لمسألة النبوة، فإذا أقررت بالنبوة، فإنك بهذا تنتقل من حالة عامة في دراسة السيرة إلى قضية مهمة وهي الفرق بين النبي وغير النبي. أما الذين درسوا السيرة دراسة عقلانية أو شيوعية يسارية أو قومية، فإنهم أهملوا الجانب النبوي من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنك إذا أقررت بالنبوة، فإنك بهذا تتعامل بطريقة غير الطريقة التي تتعامل بها مع سير الأبطال أو دعوات الإصلاح أو أيَ أنموذج يمكن أن يظهر في أي زمن من الأزمنة. فهي سيرة نبي أولا، وهي بهذا تتجاوز وتتعدى أي جانب عقلاني أو مادي أو روحاني إلى قضية أساسية وهي النبوة، فالرسول صلى الله عليه وسلم نبي في المقال الأول، فقبل أن يكون عبقريا وقائدا فذا هو نبي. وكل منهج أو طريقة جاءت بمذهب تفرضه على سيرة الرسول، فإنها لا بد أن تفشل في النهاية، لأنها لم تستوعب مسألة النبوة، وإذا تجاوزنا قضية النبوة في دراسة السيرة فإننا سنتورط في تفسيرات أخرى خارج السياق الإسلامي.

- جانب آخر من حاجتنا للسيرة، أن دراستنا للسيرة لا تعني عدم الاستفادة من معرفة الظروف التي أحاطت بذلك الزمن، بل هي مفيدة لأي نهضة أن تستلهم ظروف ذاك الزمن، مثال ذلك الاستفادة من التكوين القبلي، وكان الرسول حكيما جدا في استيعاب التكوين القبلي في مكة وخارجها في بقية الجزيرة العربية..أو في قضية النظر إلى المستضعفين من أتباع الرسول، وطبقة التجار...وكل هذا وغيره دلالة على النجاح في الدعوة واليقظة والنهضة.

- جانب آخر من أهمية السيرة، هو الحاجة إلى التفسيرات المستمرة إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي كل زمن نحتاج إلى تفسير جديد ورؤية جديدة للسيرة، فلا يمكن أن نقول إن كتابا ما في السيرة هو الكتاب النهائي ونغلق بهذا النظر والتأمل والتجديد، فالسيرة عملية تاريخية، لا تستند إلى النص بذاته وفقط، وإنما أيضا إلى طريقة تعاملك مع النص، وتوطين النص في الزمان والمكان الذي تحتاجه..

- ونحتاج سيرة الرسول، أيضا، لأنها تعطينا مركزية تاريخية وثقافية، لأن جميع الأمم على وجه الأرض الآن تدَعي كل منها مركزية تاريخية، إما في اليونان أو في المسيحية أو في البوذية أو في أي ثقافة من الثقافات، وحاجة البشر إلى التاريخ مستقرة وثابتة دائما، والذي ابتلينا بهم في زماننا هذا أنهم لا يرون مركزية سيرة الرسول ولا التاريخ الإسلامي، هم اختاروا مركزية غير إسلامية لتفكيرهم أو تبعا لمركز أو ثقافة أخرى، وبالتالي حاجتنا إلى سيرة الرسول نابعة من حاجتنا إلى منطقة في التاريخ أو حقبة نتعامل بها وننطلق منها إلى غيرها، ولذلك كان من جوانب الغزو للعالم الإسلامي إعطاء مركزيات بديلة، فمثلا في العراق قالوا عندكم بابل وآشور، في مصر قالوا عندكم الفراعنة وهكذا..وذلك لأن مسألة إلحاق هذه الشعوب والأمم وربطها بالمركزية الغربية تقتضي الفصل عن المركزية السائدة عندهم..ولهذا، حتى نعود لذواتنا نحتاج لمركزية تاريخية في زمن معين، فالإنسان كائن تاريخي سواء اعترف أو أنكر، عرف أو لم يعرف، يعتز بمرحلة من التاريخ يعتز بأناس معينين وهكذا..ولهذا، نحن أحوج للعودة إلى مرجعية سيرة الرسول مُنطلقا لأفكارنا..

- جانب آخر من أهمية السيرة، أنها تعطي المكانة الأولى للأفكار أكثر مما تعطي، مثلا، للجغرافيا أو للعرق أو لغيرهما...والأفكار هي ملك عام لكل إنسان عاقل واع، وسيرة الرسول فيها مركزية فكرية يستطيع الإنسان أن يبدأ منها وليست مبنية على اعتبارات مادية..

- وهناك أيضا نزعة في الإنسان وهي حاجته للقدوة، فنحن مفطورون على مسألة القدوة، سواء كانت مشاهدة أو نقرأ أو نسمع عنها في زمن من الأزمان، ونحتاج إلى مسألة القدوة في زمان ومكان ورجال مُحدَدين في مرحلة تاريخية معينة، فالحاجة إلى مركزية القدوة تعالجها سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. - وحاجتنا إليها، أيضا، لأنها حالة مفتوحة للدراسة المستمرة، أغلب النصوص فيها قابلة للتأويل والتمعن والتأمل، والتعامل معها على أنها علاج لما نحن فيه، فعندما نحتاج لعلاج حالة ما فنرجع إلى سيرة الرسول لنستفيد منها..

- في سيرة الرسول، أيضا، نوع من الخلاص من الانغلاق الفكري المعاصر، فبعضنا يندمج في مدرسة فكرية معينة ويتوقع أنه ينفتح، ولمنه في الحقيقة لا ينفتح وإنما يتخلى عن مدرسة وينضم إلى مدرسة أخرى..انضمامه إلى مدرسة أخرى يتوهم أنه انفتح، ولكنه على الحقيقة لم ينفتح وإنما انتقل من حالة إغلاق إلى حالة إغلاق أخرى..

- وهناك جانب آخر، أيضا، وهو أن موضة النظريات تُجمَد الاستفادة من السيرة، بمعنى أن النظرة إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بوجهة نظر معاصرة أو انطلاقا من إيديولوجيا معاصرة، سواء كانت يسارية أو قومية أو ليبرالية، يجعلنا لا نستفيد منها أو لا نستفيد من الانفتاح الذي يميزها، فكأننا نأتي إلى سيرة الرسول بعقول مغلقة، ولهذا فالعودة إلى أصل السيرة وما حدث فيها يُخلَصك من القيود التي طرأت أو أجبرت نفسك بها أو من الدوائر المُغلقة التي يعيش داخلها كثير منا.

- وتخلصنا السيرة، أيضا، من الاختزال السلوكي، وقد حدث أن اختُزلت سيرة الرسول بين المدارس عبر التاريخ، ويحجب هذا الاتجاه في دراسة سيرة الرسول تعدد شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا التعدد يساعد الناس عبر العصور في أن يجدوا لهم مكانا وقدوة، فهو تاجر وهو قاض وهو خطيب وهو قائد جيش وهو باني دولة وهو رب عائلة، وكل هذه الجوانب تُعيد للإنسان سويَته، وتجعله يجد لنفسه مكانا يوم ما في هذه السيرة أو يجد له قدوة في حالته..

قراءة 108 مرات آخر تعديل في الإثنين, 18 أكتوير 2021 20:50