السبت, 30 أكتوير 2021 21:19

ملاحظات متطفل على موضوع نقد التراث مميز

كتب بواسطة : سمير ناصر / كاتب ومدون

صحيح أن كثيرا من المفاهيم في الدين تتطلب نقاشًا وإعادة فهم بناءً على تطور المعارف وتعقد الحياة الاجتماعية ومتطلباتها وتطور مناهج البحث، هذا أمر لا ينكره حتى الفقهاء. رُوي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قوله: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"، وهو تأكيد على ضرورة الاجتهاد والبحث ومناقشة التراث وإعادة النظر فيما يتبين بطلانه.

إذن، أين الإشكال في وجود آراء واجتهادات تخالف ما تعارف عليه الناس في التراث الفقهي؟ما نراه اليوم مما يسمى تيار التنوير أو تيار نقد التراث وتجديد الخطاب الديني يطرح كثيرا من الإشكاليات.

أولا، إن هذا النهج لا يتبع مناهج البحث العلمي وطرقه الموضوعية، فكل الآراء التي أحدثت ردود أفعال وجدال هي آراء إما تُطرح في حوارات للإعلام أو في وسائط التواصل أو في كتب تبني الجديد دون أن تتمكن من هدم القديم.من بديهيات البحث العلمي هو أن الباحث ليثبت مقاربته الجديدة عليه قراءة وفهم الأبحاث السابقة في موضوع البحث، ثم إثبات خطئها بالأدلة الموضوعية ثم طرح البديل الذي يراه مع التقيد بمرجعيات البحث ومسلماته.

الذي نراه أن كثيرا ممن يزعمون اكتشاف معادلة صنع الذهب يتصرفون وكأنهم عثروا على القرآن في منطقة أثرية لا يعرفون كيف أتى وماذا يحمل ولا يعرفون حتى لغته. يقطعونه أولاً عن محيطه وعن سياقاته وعن تطبيقات الذين نزل فيهم القرآن ثم يبدؤون رحلة تأمل كتلك التي يفعلها علماء الآثار وهم يفكون شفرات ألواح قديمة. يرمون بالتراث جملة وينكرون الرجوع إليه ويعيدون النظر في مفردات اللغة ويقعون في تناقض الرجوع لذلك التراث حين تقتضي مصلحتهم. حواراتهم وأطروحاتهم تنضح بالغضب والتشنج وفي أحيان كثيرة تتضمن إهانة وشتم المجتهدين القدامى وهم يناقشون ما قدمه أولئك من أعمال اجتهادية.

بعضهم يحاول من وراء سبَ أعلام كالبخاري أو غيره إحداث صدمة نفسية لهدم الرمزية التي يمثلها أولئك، وهو أسلوب غير أخلاقي لا يلجأ إليه من امتلك الحجة وقوة الإقناع. في الحقيقة، يتعدى الأمر مُجرَد إعادة النظر أو تمحيص التراث أو نقد الخطاب الديني إلى رفض الخطاب الديني رأسًا، حيث أصبح المشكل عند التنويريين ليس في سوء فهم الدين بل في الرجوع إلى الدين أساسًا، والمطلوب عندهم هو الامتناع عن استحضار الدين في مسائل المجتمع والتربية والعلم والأخلاق.

لقد لاحظنا ذلك في حملة التهجم على موضوع الإعجاز العلمي في القرآن بطريقة غير أخلاقية تجاوزت أحيانًا مستوى التهكم إلى الاعتداء اللفظي والمنع من الكلام كالذي تعرض له زغلول النجار في المغرب، رغم ان علماء كبار في الغرب كتبوا في هذا الموضوع وأثبتوا، بل الأكثر من ذلك أن كلمة فتوى في حد ذاتها أصبحت عندهم كلمةً غير مرغوب فيها ومحل تندر أيًا كانت دواعيها.

لقد دخل البعض لعبة انتقاد الاجتهاد الديني بهدف إخراج المفاهيم الدينية من دائرة التأثير على المجتمع أو صياغة أفكاره.بطبيعة الحال يوجد تحجر عند بعض طلبة العلم الشرعي وتقديس مبالغ فيه لما لا يتطلب التقديس كالآراء والاجتهادات والأعمال البشرية بصفة عامة التي لا يعصمها المنطق والعلم من إمكانية الخطأ، لكنني أعتقد أن الأسلوب المناسب لدحضها هو البحث العلمي من داخل دائرة الإيمان وليس من خارجها.

قراءة 87 مرات آخر تعديل في السبت, 30 أكتوير 2021 21:23