الثلاثاء, 16 نوفمبر 2021 17:47

ألا "ليت الشباب يفهم وليت المشيب يقدر" مميز

كتب بواسطة : مراقب

ثمة معركة فكرية داخل كل واحد منا بين ما كان يراه وما أصبح يراه اليوم، معركة شرسة يراها ولا يجهر بها، وهذا يظهر أثره في اعتماد منطق جديد، فلست ملزما بتجارب السابقين ولا باجتهاداتهم، ولكن اصنع لنفسك رأيا وتجربة وأثرا...لست المعاصر الوحيد ولن تكون، والسابقون عاصروا زمانهم واجتهدوا وبحثوا لهم عن حلول، ولكل زمن عقله، فلنبحث لنا عن أرضية تحرك جديدة نواجه بها سياسة الكبت والغلق والقهر، إذ التصلب صمم وانغلاق، والثبات على الفكرة مهلكة، والإقدام في لحظات الالتباس ميزة الشجاع، والتصريحُ بالموقف في الأماكن المعتمة امتحانٌ للفارس الذي لا يرهبه التعثر ولا يستمرئ الالتباس ولا يغرق في المحاباة والمجاملات..وعلينا ألا نقلل من قدرتنا على كسر الجمود السياسي، والحرص على التقيد والإغراق في التحفظ والخوف من الخطأ والتعثر والمبالغة في تقدير المحاذير يولد انكفاء وقعودا، ولا يطيق الجمود إلا مقلد أو متردد أو مسكون بالهواجس.

وإذا كان أصحاب الرأي والعقلاء لا يتخذون موقفا ولا يُبدون رأيا ولا يجتهدون في التحرك وكسر الجمود في لحظات الالتباس والمنعطفات، فما قيمة أنفاس أصحابها؟ فعبَر عن رأيك وسط الاحتدام، فلعلك تساعد حائرا، أو تقوّي قلبا مهزوزا، أو تضع لبِنة في صرح التغيير المنشود، ولا تكن عبدا للفكرة ولا تتورط في تقديسها، ومن يُقدم الفكرة على الإنسان المتعامل معها، يجعل صاحب الفكرة عبدا لفكرته وتكون لها السطوة والهيمنة، فيعيش أسيرا لها بدعوى الوفاء ولكنه التزمت والتعصب، فالفكرة إن لم تُهذب تطرفت وأغلقت عقل صاحبها... والأفكار قد تكون وصيَة مُكبَلة للسلوك الإنساني عندما لا تخضع لتجارب عقلانية، والأفكار مهما كانت يفسدها الإنسان بتفسيره وطريقة تعامله معها والعكوف عليها والوثوقية العالية بها، ولو لم نتحلَ بالجرأة والاندفاع الواثق إلى حدّ الاستدراك على الغير، وخاصة السابقين، لما صنع الإنسان شيئا في حياته ولا غامر ولا نجح ولا تعثر، ألا "ليت الشباب يفهم وليت المشيب يقدر". وقد يسمون العجز حكمة، والتغطية على الخطأ خبرة.

وما دمنا في بلادنا لم نمر بمرحلة دولة حديثة، ولا دولة ديمقراطية تتبادل الاحترام بين أفرادها، إذ المحكوم والحاكم يصنع كل منهما الآخر، وأسوأ من هذا أننا لا نناقش الرأي ولا نتبادل الرؤية والمصير ولا نتحدث بحرية في الأمور، ما دمنا كذلك، فسيظل كل منا يكتم رأيه صوابا أو خطأ، أو يجامل أو يرهب بيئته ومحيطه برأيه.

ولأن حرية الرأي في الدكتاتوريات أخطر من أي سلاح أو مخدر، وكل القرارات المهمة ضده، والعقوبات الأكبر تنال من يفكر أو يعارض برأي، كان لزاما على كل منا أن يمارس ويقول الحق ولو في دائرته الضيقة ولو في مجتمعه الصغير، وأن ينفي عن نفسه ومحيطه وبيئته خبث وجراثيم الانسياق الأعمى، فهو سرطان يفتك بالعقل والخلق والسياسة وكل شيء، ويورث تسلطا أعمى..

وسوء الحال الذي نعانيه والمستقبل الأكثر قلقا يجعل الصراحة لا بد أن تتسلل لما نكتبه ونتحدث به. ومن قال بأن الرأي الصارم فتنة؟ ومن قال بأن عليك تعلّم تدوير الزوايا وعدم التصادم؟ فالإنسان ذو موقف بفطرته، ومن رآك من حيث هو فإنما رأى نفسه، ومن القهر الذي أهين به الناس قالوا: "السكوت من ذهب"، ولكن الصمت يخسرك مستقبلك وكل ذهبك ويغير مذهبك ويدمر إنسانيتك..

وعندما نتحدث عن القادة والمؤثرين المُلهمين، فلأنهم جمعوا بين قوة العقل والتحرك الموزون والجرأة في الاقتحام، بين المناضل المكافح التواق للتغيير الحقيقي وبين السياسي الحصيف المتزن المرن، الذي ارتفع فوق ركام كبير من الأحقاد ومن ضعف النفوس، ومن قصور النظر ومن الانتقام الأهوج..والمرونة أقوى من القسوة والجفاف والجمود وتصلب العقول والتجارب.

 

المزيد في هذه الفئة : « في تجديد الخطاب الديني
قراءة 64 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 16 نوفمبر 2021 20:35