الثلاثاء, 30 نوفمبر 2021 15:12

لغة باحث أم خفير؟!! مميز

كتب بواسطة :

يتساءل أحد الأساتذة "الباحثين" "المنظرين": (هل يمكن اعتبار ارتفاع نسبة المشاركة، في الانتخابات البلدية، مؤشرا على وفاة الحراك؟ ألا يمكن اعتبار قدرة السلطة على فرض أجندتها و تحديد بشكل انتقائي مستوى الانفتاح و توزيع الأدوار تكريس لنجاحها في إدارة معركة الأدوات؟).. "وفاة الحراك، معركة الأدوات، قدرة السلطة على فرض أجندتها"..؟؟؟ "المنظرون" كثر تلتقيهم بعيدا عن صخب الميادين وضغطها ومعاناتها، فتسمع منهم تحليقا في عالم التجريد والخيال، يحيون عالما تصوريا من صنعهم هم، لكن لا تجد، أو قلما تجد لهم أثرا في حركة الواقع...

من السهل إطلاق الكلام على عواهنه، والنقد البارد الأعزل المجرد لا يتقدم بحركة التغيير خطوة إلى الأمام...كنت أشاهد بعض "المثقفين"، ومنهم أساتذة جامعات وكتاب، لكن على أطراف الحراك، لم يقتربوا من صلبه ولا عانوا معاناة الناشطين الميدانيين ولا اكتووا بتحدي الخروج إلى الشارع أيام الحصار الأمني..

نعم رأيت وجوها "بارزة"، لكنها تتصدر المشهد وتلقي كلمة ويصفق لهم جمهورهم، ثم يغادرون، وإذا التقوا للبحث عما يمكن تحقيقه، عمليا، لا يكادون يتفقون على صيغة للتحرك ولا رؤية لإدارة الصراع..هذه ليست مشكلة الشارع والجماهير، هذا أزمة "نخبة" عاجزة عن مواكبة إرادة الجماهير ووعيها الجمعي.. ليت الذي ينتقدم اليوم وينعي الحراك ويدفنه حيا، فكرة وكتلة ثورية صلبة وإرادة تغيير، برز في المنعطفات الكبرى لمسيرة الحراك، وأسعفه بحلوله المجردة وبراعته في الاستدراك عن بعد؟؟ تتأملون الحراك وتراقبونه عن بعد منفصلين عنه، ثم تخوضون في مسيرته، جلدا وحطا وتشكيكا، لو اقترب وعانيت معانات رُوَاده لهذبت كثيرا مما تؤاخذ به الحراك.

لا أدري بأي عقل يفكر هؤلاء "الأساتذة" أو النخب، كثير منهم لم يبادر بأي تحرك في خضم الحراك، ولا سعى للتدارك والتجميع السياسي الموزون أو اهتم بصنع ظهير سياسي لإسناد حركة الشارع، ولا اكترث أصلا بالمآلات، وترك الحراك وحيدا في جمعه الأخيرة يقاوم الحصار الأمني ويبحث عن ثغرات لاستعادة حركة الخروج، لكن تجنب (الحراك) ببصيرته ووعيه المسؤول الصدام وانكفأ في انتظار موجة ثانية، لكنها الكتلة الثورية الشعبية الصلبة من تحملت العبء وضحت، والتفتت يمينا ويسارا فلم تجد منظرا يصوب ويوجه ويقود في قلب الميادين، فما أقلهم عند الفزع وما أكثرهم عند تدفق الملايين، وأحسنهم حالا يراقب عن بعد يلوذ بالرصيف تاركا مسافة بينه وبين المعمعة، يستمتع بالتصوير والتعليق، ثم يغادر في هدوء وبرود!!

ولولا اعتبارات معينة تحول دون الحديث المؤلم، اليوم، عن عجز طبقة الحراك السياسية وتضخم الأنا، لأفصحت عن معاناة الحراك الداخلية مع "نخبته" الباردة الباهتة... فهل هناك باحث يربط بين "ارتفاع نسبة المشاركة" ووفاة الحراك؟ ما العلاقة؟ ولم يقل لنا كيف توصل عقله إلى هذا الاستنتاج؟ ولا حدثنا عن حقيقة النسب، وهل هناك اليوم من عقلاء الناس من يثق في الأرقام المُقدمة من السلطة؟ والتصويت كان متدنيا، وهذا ما يمكن معاينته من أيَ مراقب، وهل يملك "باحثنا" أو استخدم من أدوات القياس ما يعرف بها توجهات الرأي العام المحلي وحجم المشاركة؟ ألست باحثا، وهل مثل كلامك المرسل يصدر عن باحث؟ ثم لم تنور عقولنا بما تعنيه بعبارة "وفاة الحراك"؟ الحراك نهوض شعب مكلوم مسحوق، ولد من جديد، فقبل الحراك كان جثة هامدة وكتلة خاملة، والحراك حرَك الشعب وحرر النخبة من سجن الروح، وهو الخوف، وكسر الحواجز النفسية، وفتح الطريق للمجتمع ليتحمل مسؤوليته في التغيير، وتُرك لمصيره مع عجز "نخبته" عن التدبير وإدارة الصراع..

وقد أدرك الحراك أن التغيير ليس هياجا وحالة ذهنية مضطربة وقلقة ومتوترة، ولا هو تنفيس مكبوت ولا آهات متوجع ولا زفرات أنفاس مُلتهبة، ولا حالة انتقامية، ولا بد له من اتزان وهدوء وحذر، فربما حاول، تاريخيا، بعض الغيورين من أهل النجدة والنخوة والشهامة أن يغيروا مجتمعاتهم وحكوماتهم فسببوا ضجة وتدميرا هائلا وضياعا مستمرا... وليس هناك وصفة جاهزة ولا دليل عملي للتغيير الحقيقي، ولكن مع كثرة التجارب وتزاحمها وتراكم المحاولات، أمكن تلمس طريق الخلاص بهدوء وحذر، نصف الطريق ضبط نفس ومنع التهور ونصفه الآخر حسن تدبير وتقدير..ثم إننا أمام حركة شعبية عفوية بين هبوط وصعود، اعتمدت كليا على الشارع، فهو مركز قوتها وحاضنتها وموئلها وركنها الشديد، ولم تخضع، لاحقا، لأي شكل من أشكال التنظيم..

ثم إن الثورات ليست خطا مستقيما ولا هي مسارا أحاديا وقوالب جامدة، يمكن ضبط مسارها والتحكم في سلوكها.. لن ندس رؤوسنا في الحراك ونتنكر لأخطاء الحراك، وبعض حالات التشوه والانحراف والاضطراب، في الداخل والخارج، فلا مرَر الخطأ ولا تغاضى عنه، فلم يهدأ النقاش والنقد في أي جمعة، حول الشعارات وغيرها، إذ بغياب النقد واختفاء النقاد أو تضييق مجالهم، تُحاط التجربة برجال التصفيق والإشادة وتكثر المجاملات ويسود التملق وزخرف القول والاغترار بالموقف والرضا بالمُنجز، ذلك أن التجارب، أيَا كانت، تحيا وتنتعش وتقوى بالنقاش الموسع والنقد الملازم لها والتطوير المستمر وتوسيع دائرة الرأي...

والثائر الحر الناهض المؤمن بنبل رسالته وعدالة قضيته وواجبه الأخلاقي، يستدرك ويصوب ويبلغ ما يراه صوابا، فالإقدام في لحظات الالتباس ميزة الشجاع، والتصريحُ بالموقف في الأماكن المعتمة امتحانٌ للفارس الذي لا يرهبه التعثر ولا يستمرئ الالتباس ولا يغرق في المحاباة والمجاملات... وما يتجاهله كثيبرون، وأرجو أن لا تكون منهم، ويتعمدون إخفاءه والتنكر له أن الحركة الشعبية التغييرية على الأرض مارست حرية التعبير والنقد بأعلى مستوى وأوسع نطاق، ولو تحدثنا عن النقاش الواسع الممتد لما وسعتنا المساحة المتاحة، فما سمعته من نقد من ناشطين وما تابعته من نقاش يفوق الوصف، قلق وتوتر وارتفاع أصوات وغضب وأخذ ورد، ما رأيت مثله قط، عمقا واتساعا وجرأة وصراحة، وتباين الآراء والمواقف والتقديرات داخل الحراك ممَا لا يمكن حصره ولا إحصاؤه، فأين أنتم من كل هذا المخاض والتنوع والثراء داخل الحراك؟

ثم أين هي هذه السلطة التي نجحت في إدارة معركة الأدوات؟؟ فأي أدوات وأي نجاح؟ هل هذا كلام باحث؟ هكذا يقرَر ويصدر الحكم، فلا ساق حججه ولا حشد الأدلة على ادعائه؟ وأسئلته استنكارية أكثر من كونها استفهامية باعتبار السياق..نجحت السلطة في شيء واحد، في قطع الطريق على التغيير التدريجي الممكن، في القمع الأمني وإجهاض الحراك بالقبضة الأمنية والحصار والمطاردة وفتح أبواب السجون، فإن رأيت في هذا نجاحا، فهذا عقل أمني وليس عقل باحث، وإن رأيت في الاعتقالات والحصار الخانق إدارة لمعركة الأدوات، فهذه لغة المخافر وليس الباحثين!!

قراءة 161 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 01 ديسمبر 2021 15:39