الثلاثاء, 21 ديسمبر 2021 17:35

"وائل الحلاق" و"دولته المستحيلة".. مميز

كتب بواسطة : مراقب

في الكتاب الأشهر للباحث الأكاديمي الفلسطيني (المسيحي) المتألق "وائل الحلاق"، "الدولة الإسلامية المستحيلة"، نظرات وقراءات قيمة ولكنه (كتاب) تلفيقي ومليء بالمتناقضات، فهو ساخط ناقم على الدولة الحديثة، وينقدها وينقضها، ويرى بضرورة الدولة الإسلامية، بالمنظور الثيوقراطي (دولة دينية) وهذا بتأثير ثقافته القلقة ونزعته الساخطة على الحداثة، لكن يرى استحالة إقامتها الآن لاستحالة تعايشها مع الدولة الحديثة، فالدولة واجبة ومستحيلة في نظره، وهنا أحد مكامن التناقض، وينتقد من دون أن يقدم رؤية بديلة، وتغلب على نبرته التشاؤم والتيئيس من الإمكان المستقبلي.

والكاتب البحَاثة قارئ جيد للفكر والتراث الغربي وتغلب عليه النزعة اليسارية والفوضوية، وباحث في شؤون التراث الإسلامي وتاريخ الشريعة، واستمد شهرته وتألقه من نقد المستشرقين وكشف الأخطاء التاريخية في كتاباتهم، ولكنه ليس مستوعبا جيدا للفكر السياسي الإسلامي وقليل البضاعة في النص والتراث السياسي الإسلامي..وليته يفرق بين الإمكان والتحقق، وتجده ينشغل بالشريعة بمعناها الأخلاقي والقانوني والاجتماعي، ويتجاهل تماما أمهات القيم السياسية الإسلامية المنصوصة في القرآن والسنة، والعبرة بالقيم السياسية الكبرى، وأما الجوانب الإجرائية فتخضع لتجريب الناس وتطور العقل السياسي الإنساني..وكتاباته في الجوانب الفقهية والأصولية في الشريعة، على تحفظات، أفضل بكثير مما قدمه من الأفكار المرتبطة بالقيم السياسية والفكر السياسي الإسلامي التي عرضها في كتاب "الدولة المستحيلة".

والدولة ليست مقدسة في ذاتها ولا هي نصية إلهية، وليس للإسلام مشكلة مع عالم الإمبراطوريات القديم ولا مع عالم الدول الحديثة.والسلطة السياسية التي أقامها الاجتماعي السياسي الإسلامي أوَل الأمر في المدينة، وفي سائر أنحاء الجزيرة العربية لاحقا، استمدت شرعيتها من مجتمع المدينة الذي نشأ في يثرب عقب الهجرة وليس من النص، وهو ما جعلها سلطة مدنية لا غبار عليها، تحكمها قيم سياسية عليا، الشورى والتعاقد الاجتماعي، فلم يكن تأسيس السلطة بوحي من الله، ولم يرد لا في القرآن ولا في السنة تأسيس السلطة، وإنما ترك هذا الأمر لتدبيرهم وخبرتهم وحكمتهم، وهو ما تجلى في نضجها وتطورها التدريجي التاريخي، حسب الأحوال وتغير الظروف.. 

وتشهد الكتب التي قرأناها والعلوم التي تعلمناها حديثًا عن أمجاد لا حصر لها، ولكن في واقعنا اليوم تبعية وبؤس ودكتاتورية وفساد لا يطاق، وهذا الانشطار أو التناقض بين ثقافة السيادة التاريخية، التي تتردد بكثرة كل لحظة، وواقع المستعبد في الوقت نفسه، أنتج اضطرابا فكريا وسلوكيا مكرورا ومؤذيا طيلة الوقت، وهذا لا علاقة لأصل الدين وحقائقه به، وليس مسؤولا عنه، وهذا ما لم يفهمه كثير من المثقفين.ثم إن التصورات المقترحة لفهم الإسلام إما من متدينين يبعثون نمطًا سابقًا من التدين يعاني من صعوبة التأقلم مع الحاضر، أو تصورات يعرضها مقلدون لمسيرة المسيحية في الغرب..

وما لا ينبغي أن يغفله مثل هؤلاء الباحثين أن الحضارة الإسلامية نشأت عقائديّا وأخلاقيّا وقيميا مستقلة، أما في الجوانب الأخرى، كالجانب الإداري والعسكري وعدد من التنظيمات، فقد نشأت داخل المنظومة الحضارية السابقة وطورتها، كالدواوين مثلًا والعملة وتقسيم الولايات، فالخلط بين الجانب الأول والثاني يوقع في خلل معرفي كبير.

والرجوع إلى الماضي ليس له صورة واحدة فقط، بل له أكثر من صورة، هناك رجوع إلى الماضي من أجل الانطلاق إلى المستقبل، وهذا ما يُمثِّله بعض اتجاهات السلفية المعاصرة كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا على سبيل المثال. وهناك رجوع إلى الماضي من أجل الانحباس فيه، وهذا ما يُمثِّله تيار سائد اليوم يعيش خارج العصر، ويفكّر في مستجدّاته كأنه يعيش في زمن أحمد بن حنبل أو ابن تيمية. وهذا التيار في ظنّي يجعل من التراث "هويّة"، مع أن التراث ليس هويّة، لا لغة ولا مفهوما، بل حتى التراث نفسه كان شاملا لهويات كثيرة متداخلة، وأسهمت فيه تيارات متعددة، وهناك رجوع إلى الماضي من أجل إعادة بنائه على وفق الدليل والنظر التاريخي وبنَفَسٍ نقديّ غير تلقيني.

قراءة 97 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 21 ديسمبر 2021 19:17