السبت, 25 ديسمبر 2021 12:16

تراثنا مفتوح للنقد..لكن بأيَ عقل وإرادة؟ مميز

كتب بواسطة :

تراثنا الإسلامي زاخر ثري لا ينضب بمذاهبه الفقهية والأصولية ومدارسه الكلامية العقدية، وهو كتاب مفتوح لا يُغلق، والنص فيه هو المرتكز، وكثير من مسائله وفروعه لم تُحسم، النظر فيه متجدد، وإعمال العقل فيه لا يكاد ينقطع، ممتد في الزمان والمكان، لكن بأي عقل وبأي إرادة...وربما يعود الأمر إلى الإرادة أكثر من كونه عائدا إلى المناهج العلمية. غير أن هناك قراءات بلا منهج، بل تسير على وفق النصوص والاقتباسات وكفى..

ومن يخوض فيه نظرا وتأملا وتمحيصا ونقدا لجوانبه السلبية مُهمَ أن يكون من أهل الإلمام والاطلاع والاستيعاب والتمكن، وإلا انحرف به المسلك وضل الطريق..أن تقرأ كتابا وكتابين وثلاثة ثم تحمل فأسا وتحدث ثقوبا، بلا انضباط ولا إحاطة، في سفينة التراث، فهذا جهل وهدم وفوضى تفكير..

التراث إجمالا هو خلاصة تفاعل العقل مع الوحي، تبهرك العقلية الاستنباطية الاستدلالية الاستقرائية، وتنجذب إلى المنطق الحجاجي المتماسك، ويتعكر مزاجك من افتراضات وتخيلات هي من ترف العقل الفقهي، وتغرق في تفاصيل مسائل الجدل الكلامي بين الأشارعة والمعتزلة وأهل الحديث...والوقوف على فساد المذاهب قبل الإحاطة بمداركها محال، بل هو رمي في العماية والضلال.. وأكثر صراعات التاريخ والعقائد أصلها سياسي، فالخلافات السياسية هيمنت على أكثر حركة التاريخ، لكن تصدى لها المجتمع اليقظ الحيَ المستقل "المهيكل"..

تنزعج ويصدمك فقر الفقه السياسي وقلة التوسع فيه، وارتباط أكثر ما كُتب في الفكر السياسي بالقصر والبلاط، مع استنثاءات وإشارات مهمة وحاسمة في آن، لكنهم جزموا بأن الشرعية السياسية تُستمد من الخلق لا من الخالق (خلافا للشيعة الإمامية)، وأما فصل السياسة عن الإسلام فهو قرار سياسي صليبي متطرف هدفه إهانة المسلمين واستتباعهم وإذلالهم بالتحكم بدينهم وتمزيقه كما حكموا أرضهم، ثم جاء أتباع أغبياء منا صدقوا كذبة "إسلام بلا سياسة" يتنكرون لأصول الإسلام بينما نبيه وخلفاؤه أقاموا دولة المدينة وقادوها..

وليست مشكلة التراث مع الدولة، قديما وحديثا، في الإكراه الديني بل في الاستبداد والطغيان والمتاجرة بالدين نفاقا وتطويعا.. والدين ليس بحاجة إلى إكراه الدولة وإملائها ولا إلى مؤسسة تتحدث باسمه..وديننا غير قابل للإخضاع ولا للتجزئة ولا للحصر ولا للعزل..وتاريخ السلطة في المجتمعات الإسلامية التقليدية يكشف لنا عن صورتها البسيطة والمحدودة وذات التأثير الهامشي في حياة الناس.. ففي الشأن العام، كان التدبير والتنظيم عبر جمعيات ومؤسسات أهلية ووقفية ومبادرات تطوعية، بعيدة عن هيمنة السلطة المركزية للإمبراطورية.

ويملأ قلبك وعقلة تعظيما لعلوم هذه الأمة في منهجية النقد في علوم الحديث، دراية ورواية...والدقة في الضبط والنقل والعز ممَا لا تزخر به أيَ أمة من الأمم الأخرى.. نرجع إلى الماضي لننهض وننطلق مجددا ونستدرك ونصوب مسارنا ونُنضج عقلنا النظري والعملي ونسدد وجهتنا لا لننحبس فيه ونبعث حروبا قديمة وفرقا بائدة لكن بعقل مفتوح مقاصدي وإرادة إيجابية.

وبعض من تصدى للتراث بالنقد والاستدراك، وهذا حقه، لم يكن همه لا التراث ولا التجديد المُدَعى ولا قراءة ثانية ولا ثالثة له للنص، وإنما كل همَه التحرر من كل معيار سوى معيار الهوى أو التملص من كل قيد أو السلطان والحاكم..وبعضهم ينادي بتجديدية عدمية عبثية لا معنى لها ولا يرى أن لهذا التراث الإسلامي أي مكانة إلا في عين المدارس النقـدية الغربية وما أملاه المستشرقون، فما أقروه فهو الحق والمحترم، وما لا يستسيغوه ولا تدركه أفهامهم وعقولهم وثقافته وسمومهم، فإنهم لا يرون إقراره لقدمه وتخلفه عن العصر، كما يزهمون، فليس إلا هواهم الذي يرفع ويخفض وعقلهم الذي يتحكم!!

قراءة 74 مرات آخر تعديل في السبت, 25 ديسمبر 2021 12:30