الثلاثاء, 28 ديسمبر 2021 06:26

أفلسطين أمْ خُمُسُها؟ مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

نقرأ في أدبيات الصالحين من العلماء والسياسيين من رجال الفكر المقاوم والباني أنّ فلسطين قضية أمّة، ونقرأ في الوقت نفسه تغنيا بفلسطين في تصريحات الأنظمة العربية الحالية، فهل يقصدون فلسطين التي قال  الصالحون أنّها قضية الأمة بامتياز، أم أنهما بصدد الحديث عن قضيتين مختلفتين، وينتقل التساؤل إلى المقاومات الفلسطينية نفسها في فلسطين وبكلّ أطيافها (اليسارية، والوطنية، القومية، واللبرالية، والإسلامية بمختلف تشكلاتها و مكّوناتها)، هل يقصدون فلسطين واحدة أم يقصدون نسخا من فلسطين قد تصل حدّ التشاكس في تصور فلسطين المطلوب تحريرها، تصل عند البعض إلى خُمُسِ فلسطين الأصيلة والمعروفة بفلسطين التاريخية، تأثّرت هذه الآراء والمواقف بالصراع العربي الإسرائيلي والموقف منه، وتأثّر المقاومون والمحسوبون عليهم  به، ولكن بنسب متفاوتة.

بناء على ما سلف، فإنّ عقول وضمائر العرب والمسلمين تتلقى الخطاب الأصيل في مسألة فلسطين التاريخية بطرق متباينة، تتجلى في مواقف آرائهم المتنافرة في العمق من القضية الفلسطينية، إذ من برمج نفسه على واحدة  من الاتفاقيات أو المعاهادات أو السياسات (مخيم "كمب" داوود، وأوسلو، ووادي عربة، والتطبيع الثقافي، والتطبيع التعليمي، والتطبيع الفكري، والتطبيع السياسي، والتطبيع الاقتصادي... والحبل على الجرار) يتصرّف مع قضية فلسطين بغير طريقة الذي برمج نفسه على أخرى، لهذا لا ننتظر منهم أن يكون تلقيهم لأدبيات الاتجاهات الأصيلة وموقفها من قضية فلسطين تلقيا واحدا ولا تفاعلا متشابها، أحسنهم حالا من يعتبر قضية فلسطين قضية فلسطينية، يرضى منها بأقل من مساحتها في أحسن الأحوال، بينما السابقون من المقاومين الأشاوس يعبرون عنها بالقضية الأم، وليست قضية الفلسطينيين وحدهم بل هي قضية الإنسانية، وضوء ما سلف فإنّ فصائل المقاومة التي يجمعها النضال من أجل فلسطين، سيفترقون ويتشتتون لانشغال بعضهم بالخُمس عن الكلّ (من النهر إلى البحر) في إطار محيط دولي فرض نفسه على العالم النظام العربي رسمي، فبرمج نفسه على الرضا بالخمس والخمس كثير(20 بالمائة من أرض فلسطين).

لا يمكن أن يتلقى النظام العربي نصوص المذكّرين بالواجب العام تجاه فلسطين إلا بشيء الريبة والشك، وأحيانا الإهمال، أين مواقف النظام العربي من قول الشيخ البشير الإبراهيمي، وهو بصدد بيان واجب أهل الشمال الإفريقي تجاه فلسطين حيث قال (رحمه الله): "عليهم لفلسطين حقا لا تسقطه المعاذير، ولا تقف في طريقه القوانين مهما جارت... هذا الحق هو الإمداد بالمال، ومن أعان بالمال فقد قام من الواجب بأثقل شطريه ... إن فلسطين ليست في حاجة إلى آرائنا ... وليست في حاجة إلى رجالنا فلها من أشبالها وممن والاهم عديد الحصى".بينما نرى النظام العربي قد أسقط حقّ فلسطين في الحرية بالمعاذير التي هي أقبح من التقصير، وعوض الإمداد بالمال أشبع الخطاب الرسمي العربي والإسلامي المنتظم الدولي ومؤسساته بالأقوال التي لا شاهد عليها من الأفعال، حتى جعلوا قضية فلسطين مشجبا تُعَلِّقُ به كلّ جهة رسمية تقصير خصمها أو منافسها في قضية فلسطين بسبب تدافعات سياسية ضيّقة لا صلة لها بالقضية الأم ولا بقضايا الأمة.

هل فلسطين في التصوّر والتصرّف الرسميين العربي والإسلامي موافقة للخطاب الرسمي عن قضية فلسطين، هل فلسطين لها في قلب النظام العربي الرسمي جروحاً دامية، ويشعر النظام الرسمي أنّ فلسطين قطعة أساسية من العالم الإسلامي، وأنّ لفلسطين حق واجب الأداء، ولن تقوم له قائمة ما لم تكن القضية حيّة في الضمير الشعبي العام، تحي فلسطين في القلوب وليس خُمْسُها( وهي فلسطين: المعاهدات والاتفاقات والسياسات الفارغة والمؤامرات).

الواجب تجاه فلسطين بعد المال والإسعاف بتكوين الرجال، هو التصميم على نَسْفِ فكرة اختزال فلسطين في خُمْسِهَا، الخُمُسُ الذي رضيت به أنظمة الحكم في البلاد العربية والإسلامية، ومَنْعُ تسرّب الرضا بالخُمُس إلى الضمير الجمعي للمجتمعات الإسلامية، لأنّ الرضا بالخُمُس ينتقل بالمجتمعات الإسلامية إلى الرضا بما دونه، وقد علّمتنا التجارب أنّ المدخل الرئيس للتطبيع هو الرضا بالدونية وقبول التقسيط بحقنا في فلسطين، فضلا عن الصراع العربي عربي والإسلامي إسلامي، الذي كان -وسيبقى- سببا في دفع بعض الأنظمة السياسية إلى ارتماء في أحضان الاستبداد العالمي إذ تراه حاميا لعرشها على حساب قضية فلسطين، والقضايا المصيرية للأمة، بل وقضايا شعوبها وحقهم في التنمية والحرية والعدل والحق.

في ضوء ما سلف، فإنّ لاستشراف أفق قضية فلسطين المتجاوز للاكتفاء بخُمُسِها صلة وثيقة باسترجاع الشعوب حقّها السنني (الطبيعي) في الحرية السياسية المؤسسة لأنظمة حكم بسند شعبي واسع، إذ هو المدخل للتجاوز الفعلي للرضا بالخُمُس والتأسيس للنضال الجماعي لاستعادة فلسطين كل فلسطين (من النهر إلى البحر) في الضمير الجمعي للمجتمعات الإسلامية، ثم تجسيد مسعى الاسترجاع الفعلي لفلسطين، ويوضع موضع التخطيط والتنفيذ.

النضال الحقيقي هو أن نجتهد في جعل قضية فلسطين مستقرة في الضمير الجمعي بوصفها قضية إسلامية تمثّل أبشع مظاهر الظلم في العصر الحديث، والعمل على منع اختزالها في الخمس (القطاع وغزّة)، ومداخلها الرئيسة استرداد المبادرة السياسية الوطنية القائمة على الحريات العامة المؤسسة لنظام حكم بقاعدة شعبية عريضة، فحريتنا من المداخل المسرّعة للتفاعل الإيجابي الفعّال مع قضية الأمة (فلسطين)، وعدم توفّر كامل الشروط لا يلغي واجب الوفاء بحق فلسطين على الأمة، وأحسن الأحوال هو الجمع بين الحسنيين، مواجهة الاستبدادين، الدولي الحامي للمحتل المتغطرس والذي حرم أهلنا في فلسطين مقاومة الاحتلال بعناوين تمويهية، وكذا الاستبداد المحلي المانع من استرداد الأربعة أخماس الباقية من فلسطين على مستوى الضمير الجمعي،  لهذا فإنّ الحرية هي المدخل والوسيلة والأفق.

قراءة 194 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 28 ديسمبر 2021 06:57