السبت, 01 جانفي 2022 18:01

إلا "الزعامة"...أعيت من يداويها مميز

كتب بواسطة : مراقب

فرق بين الزعيم والمصلح، ومنطق الزعامة السياسية ومنطق الإصلاح والتغيير..الزعامة حسابات تختلف عن حسابات الإصلاح التغييري، المصلح يهمه دفع الأضرار وتقليل الخسائر والكسب السياسي الجزئي للحريات العامة، والزعامة محكومة بحسابات الربح والخسارة الشخصية وهي أميل إلى النمط الشعبوي وأقل صراحة وجرأة في مواجهة الجماهير..

المصلح يتخفف من منطق التحدي ولغة التصعيد دراءا للشحن ومزيد تأزيم وتعقيد، والزعيم يجعل لغته وخطابه جزءا من طموحه وبناء مجده السياسي..الزعامة تفرض قدرا من التلون باللون الذي يوصل صاحبها إلى مراده، ولا يطيق الاستمرار والصبر معه إلا قلة قليلة، ممَن يتبنى رأيه ويسلّم له.. من يعشق الزعامة تجده، في الغالب ديمقراطي اللسان استبدادي الممارسة، ولعله لم يَرَ بين أقرانه مثل نفسه، يُولَي عنه القريب هاربا، ويخطف بريقه البعيد مُعجبا...

وعاشق الزعامة متحدث مؤثر يخلب بحديثه السامعين، ولا ترتقي كتابته، في الغالب، إلى مستوى حديثه.. وهذا النوع من القياديين الجماهيريين، يرهق الطبقة الواعية، فلا تملك معه إلا الخصومة، وهو يأخذ الجماهير، ويجذبها من بين أيدي المصلحين الواعين، حتى إذا أرهق نفسه وجمهوره في مغامرات كبيرة، صبوا عليه اللوم أصنافا، ويعتبون عليه القيادة الفردية المتعبة. 

مِزاج المناور السياسي يضعف مكانة المسكون بالزعامة ويضعف مكانته، وغلبت عليه الزعامة في شخصيته، ثم فرديته تُفقده الكبار من قومه، ولا يبقى حوله إلا مَن يصغره كثيرا،  أولئك الذين رأوا البريق، ولم يستبصروا بعدُ. فيجد نفسه بين الصغار زعيما بلا ندَ، ورأيا واحدا لا قبيل له، وهو لا يدرك أنه بهذا قد فقد الرجال ذوي الرأي والقدرة، ولم يكونوا معه، ولن يكونوا، لأن آراءهم غالية عليهم، فلا يُهملونها، وغالية عليه أن يتنازل ويقبل، وهو في حاجة لأن يفهم ما لا يحبَ..

وهذا فصل مكرور من قصة تجارب الزعامة في بلداننا، تُسقط الأهداف الكبيرة والأعمال الريادية تحت فردية قاتلة. تبدأ برجال صادقين جادين أفذاذ، ثم ينتهون، أو ينهون عملهم أتباعا بلا رأي، أو يتخلون هروبا من القيادات المراوغة أو التي استبدت بها الزعامة وتضخم في شخصها "الأنا"، أو الصالحة التي تصطدم بجدار الحقيقة، أو بضعف القدرة وقصر النظر، وتصرَ كلها على استبعاد ذوي القدرة والرأي، لأنهم غير منسجمين، ولا يطيقون ثقافة القطيع، ومسلكه (المتعطش للزعامة) يعكس سلوك السياسي، الذي يُسلِّم بقدرة التجربة والمناورة والحيلة ليبلغ مراده، ولا يدرك أن إصراره على موقع سياسي يُضعف فكرته، ويحبط مشروعه، ويخرجه من صاحب قضية إلى طالب منصب، ومن جهلت نفسه قدره رأى غيره منه ما لا يرى.

ولا شك أن إصرار المسكون بهاجس الزعامة طريقة السياسي المناور دائما هو عنصر إزعاج لمشروعه، ومحطم لهدفه، من حيث يدرك أو لا يدرك، ولكن هذا النوع من الكائنات السياسية لا تستطيع التنازل، أو التعامل المعتدل مع نفسها ولا مع الناس، ويتضخم مرضها الفردي ممزوجاً بلذة الشهرة وشهوة الزعامة.

والعاطفة الكبيرة تجعل بعضنا يغفل عن حقيقة أن "الزعيم" السياسي الثائر قد تكون –أحيانا- تطبيقاته ضد فكرته، فلا تنجح الفكرة، ولا تسلم وتسود بسبب وجوده، فتنتصر عليه حركة التغيير، ولا ينتصر شخصه عليها.. والتاريخ لا يتكرر، والأشخاص لا يتماثلون، وعصر القائد الفرد المُلهم قد ولى، ولكنها العبرة لأُولي الألباب.

قراءة 93 مرات آخر تعديل في الأحد, 02 جانفي 2022 09:03