الأربعاء, 06 أفريل 2022 21:58

قلق التحوَلات الفكرية مميز

كتب بواسطة :

بعض ما يُكتب أحيانا ويُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي من نقد لاختيارات فكرية وسياسية لمفكرين بارزين أثروا في وقتهم وإلى يوم الناس هذا، لا يخلو من بخس وشطط وعجلة..الذي يقرأ تاريخ من سبقونا أو من عاصرناهم من العقول الفوَارة المؤثرة دون إلمام بظروف الزمان والمكان وما ساد فيه وغلب على عقله، لن يسلم، في الغالب، من قصور الرؤية. مالك بن نبي وسيد قطب ومن قبلهم كثيرون ومن بعدهم من صناع الرأي والأفذاذ يتأثرون ويؤثرون، تؤثر فيهم موجات زمانهم والتيارات الجارفة، وربما يتخففون منها تدريجيا بعد أن يستبين لهم حقيقة الموقف، وقد يتبرؤون منهم في آخر حياتهم أو يتملصون منها أو يتجاوزنها..

ولن تجد حياة مفكر ومصلح مؤثر خلوا من التقلبات أو الاختيارات المتضاربة، وهذا لا يكاد يسلم منه مفكر أو عالم، قديما وحديثا، بل لا يُتصور خلافه، ولك أن تقرأ سيرة أعلام النبلاء للذهبي ففيه من الإنصاف العزيز النادر، ومن رآك من حيث هو إنما رأى نفسه، ثم الظروف أحيانا مهما حاولنا استيعابها والإحاطة بجوانبها لن نقدرها حق قدرها ولا يمكن استحضارها واستدعاؤها مثل الذي عاش مخاضها وعصفت به تحولاتها..

وحضرت جلسات نقاش مطولة حول تأثير الظروف في اختيارات وموقف وعقول من تألقوا وبرزوا في زمانهم وامتد تأثيرهم إلى يومنا، ولا أنسى جلسة نقاش عاصفة في مكتبة جامعة "ميتشيغن" الأمريكية الشهيرة، قبل أكثر من عشرين سنة عن الإمام الغزالي وعزلته التي طالت وموقفه من الحرب الصليبية، بين ناقد لتقلبات هذا العالم الأصولي الفذ، خاصة في آخر حياته، وبين مُسوغ لهذه التحولات، ولم نخرج بموقف حاسم، إلا ما ذكره أستاذي المفكر الموسوعي "محمد الأحمري" من أنه "مهما اختلفنا في الموقف من بعض اختيارات الأفذاذ في زمانهم، فلن نختلف في مدى تأثيرهم في أهل زمانهم ومن بعدهم أكثر مما كانوا يتوقعون، ونبوغهم في العلم والمعرفة".

ومثل هذه الكتابات التاريخية الناقدة للحركات والموهوبين والملهمين لا تليق لها وسائل التواصل الاجتماعي ولا النقاش الانتقائي العابر، وإنما تستحق كتابات رزينة ملمة بحياة هؤلاء المفكرين وظروف الزمان والمكان مع مراعاة السياق التاريخي، فمن يقرأ كتاب "الأحكام السلطانية" للماوردي يُخيل إليه للوهلة الأولى أن كاتبه من فقهاء السلطان ومسوغي الاستبداد، لكنه الاجتهاد السياسي الذي يبالغ في رعاية وحدة الأمة على حساب التضحية بشرعية الحاكم، ومخاوف زمانهم تختلف عن مخاوف زماننا، وهكذا، أن تُخرجه من بيئته وظروفه وزمانه وتقرأ ما كتبه هو أو غيره ممن أثارت بعض كتاباتهم أو أفكارها جدلا ولغطا وتنظر إليه بعين زمانهم، فقد بخسته حقه والإنصاف عزيز..ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها..

وقل مثل هذا في المتأخرين والمعاصرين، وستجهد نفسك وتُتعب عقلك إن بحثت عن "سيرة فكرية نقية" خالية من التقلبات والتحولات، وهل يكون المفكر مفكرا إن لم يتقلب في عوالم الأفكار، نظرا وفهما وتوليدا وحرثا للعقل..وهذا محمد عمارة وعادل حسين وطارق البشري وعبد الوهاب المسيري وكوكبة من عقول المشرق ومفكريهم الأفذاذ، كيف بدأوا مسيرتهم الفكرية وكيف تحولوا واستقر بهم المسار والاختيارات، فهذا المفكر الراحل محمد عمارة كان قوميا يساريا مؤثرا في عقول زمانه ومعتنقي القومية في الخمسينات والستينات، وكانت التيار الجارف في زمانهم، وألف أول كتاب في مصر ينشر عن القومية العربية بعد الوحدة بين مصر وسوريا. سُجن وهو يساري لسنوات، لينتهي به المطاف كاتبا ومفكرا إسلاميا، ومثله كثيرون. والتحولات قد تكون في اتجاهات معاكسة، إما نحو الاستنارة العقلية والسياسية وإما نحو اختيارات مضرة مآلاتها بالغة السوء..

وقد قضى بعضنا سنوات طوال يحاجج ويجادل ويستهلك وقته في إثبات أن الأشاعرة والماتريدية ليسوا من أهل السنة، كأنما السنة طائفة مقصورة على أعداد ومدارس معينة؟ أين هذا النقاش اليوم؟ ذهب أكثره، ثم أين هي موجة التصوف و"التسلف" وقد شغلا الساحة الفكرية لفترة طويلة، خفَت وطأتها، وقلَ تأثير الزخم الفكري في مصر (حركات الإصلاح) والديني (الدعوة النجدية) في "السعودية" على باقي البلاد، والجدل حول رُوَاد النهضة والحركة الإصلاحية في القرن العشرين تجاوزه الزمن بعد احتدام النقاش لسنوات طوال، من الأفغاني إلى محمد عبده إلى ابن باديس وغيرهم من بعدهم، وما كان يشغل العقول في الثمانينيات والتسعينيات يختلف عما يشغل عقول اليوم، فكثير من مسائل الفكر والسياسة والعقيدة والدين تجلت لنا اليوم بأوضح مما كانت في السابق، وربما لم تكن المسائل أشدَ وضوحا مما ظهر عليه زماننا هذا، وهذا بفعل التراكم وانتشار المعرفة وسعة العقول واتضاح الرؤية، مما يقتضيه تطور الزمان وتقدم العقول وانكشاف كثير من الحقائق، وهكذا..ما كنت تراه قبل عشرين سنة هل هو نفسه ما تراه اليوم؟

وثمة قلق داخل كل منا بين ما كنا نراه وما استقر عليه رأينا الآن، وحتى هذا قد يطرأ عليه تغير لاحقا، وهكذا إن لم تتقدم فأنت في تأخر عن الركب، ومن يتفاخر بالثبات على الموقف نفسه، وظل قابعا في المربع نفسه مع تبدل الأحوال والظروف، فهذه مثلبة وليست منقبة ومحمدة، والمرونة أقوى من القسوة والجفاف والجمود وتصلب العقول. وقد يرى غيرنا بعد سنوات ما لم نره اليوم نحن، وقد يرون أبعد مما نرى، وهكذا يستمر القلق في مجتمعاتنا..أمة قلقة بسبب معاناتها مع ذاتها وتاريخها وفكرها وسلوكها، ثم معاناتها مع الآخرين الذين ضاق بهم الأفق من أن تعود أمة كانوا عدّوها في عداد الأموات والحضارات التي خرجت من التاريخ، أو رأوها فقط مجرد عدد هائل من البشر والمساحات الجغرافية الشاسعة والموارد غير المحدودة...

إنه قلق فكري وسياسي على كل المستويات، واضح المعالم، ومستمر للمستقبل حتى يحقق نفسه، أو يبقى في مواجهة دائمة حتى يستعيد مكانه.. فكل حركات الإصلاح ورواد النهضة مشرقا ومغربا في المئة سنة الأخيرة كانوا يبحثون عن وعي بالذات والآخر، فنحن أمة تحاول العودة إلى دخول التاريخ من جديد، وهذه المحاولة تثير عندنا أسئلة كبيرة حول الماضي والحاضر والمستقبل، كنا قد خرجنا من التاريخ منذ زمن طويل، ولما تيسرت لنخبة منا أسباب الحيوية والعودة إلى الفاعلية، وحاولت هذه الطليعة أن تسترجع شيئًا من المكانة في بلداننا، وجدتها إما جامدة أو شبه ميتة، أو مصيرها وقرارها بيد غيرها فكرا وحماية وإدارة، وهذا أظهر جوانب القلق الذي نعيشه والمحنة التي نتعرض له، فكانوا تحت ضغط عالمين: بين خيالات ذاكرة القوة والسيادة، والنفوذ السابق فوق رقاب الأمم. وهذه الخيالات التاريخية تتجاوز أي اختزال في واقعة تاريخية أو حدث، لأنها ذاكرة كبيرة ممتدة لقرون ولثقافة وعلوم ولغة وفقه، وتتجاوز النماذج المنفردة إلى حالة جماعية راسخة، وبين واقعنا المؤلم المرير الغارق في ظلمات الانحطاط، فالمفكر الذي تقرأ له يعيش التاريخ ويعيش اللحظة. فهو يعيش العزة في ذروتها ويعيش الذلة والخوف في جانب آخر، فإذا تقلبت شخصيته أمامك واضطرب في اختياراته، فلأنه يتقلب بين منزلتين وتاريخين وفكرتين في ذهنه وفي واقعه وعمله، إنه يعيش بشخصيتين وتاريخين متناقضين.

قراءة 102 مرات آخر تعديل في الخميس, 07 أفريل 2022 16:06