الإثنين, 18 أفريل 2022 16:36

"بين كل مسجد ومسجد هناك مسجد"؟! مميز

كتب بواسطة : مراقب

كتب أحدهم معلقا على حادثة "مشدالة"، قائلا: "في الجزائر بين كل مسجد ومسجد هناك مسجد..."..هذا "الباحث المثقف" سكت دهرا ونطق....هنا، انتقلنا إلى مستوى آخر من النقاش، وتجاوزنا الجدل حول "حادثة" إلى العقدة المرضية من الدين وشعائره ورموزه..وهذا الخط أقرب إلى الطغيانية من العلمانية، يريد التحرر من كل معيار سوى معيار الهوى و"الأنا"...

قلة تريد فرض رؤيتها للكون والحياة والدين على أغلبية الشعب، أو مصادرة خيارها في تحصين هويته الحضارية الإسلامية الجامعة، وما يترتب على ذلك من رموز الإسلام وشعائره، ومن أبرزها المساجد، بصيانة حرمتها والحفاظ على هيبتها ومنع إخضاعها لهوى حاكم أو إرهاب أقلية، وليست بلاد الإسلام بدعا في هذا، فأكثر المجتمعات من مختلف الديانات تُحصن "مرجعيتها" وتذبَ عنها وتحفظ لها هيبتها..ومقتضى المواطنة المتساوية إنصاف الأقلية والأكثرية معا، ومن إنصاف الأكثرية احترامُ خيارها في إظهار شعائر دينها وصونها من إهانتها أو التعدي عليها من أيَ كان. ومن الإجحاف إنصاف الأقلية بظلم الأغلبية..فإن ضاقت أقلية متطرفة في عدائها للدين أو علمانيتها أو طغيان عقدتها من مظاهر التدين العام، فهذه مشكلتها لا تُلزم بها عموم الشعب، فمن ضاق صدره من "كثرة" المساجد، فهذه مشكلته ورأيه هو حرَ فيه، لكن على أن لا يتعدى على غيره، وهم الأكثرية، بالتشنيع والتهكم وإهانة رموزه وشعائر دينه.

وليس الأمن حفظ الفرد من جور سلطة القهر والاستبداد فحسب، ولكنه، أيضا، حفظ الفرد من جور الأقلية المُمكَنة وتطاولها واعتدائها وإرهابها الفكري. وربما كره بعض الدين وشعائره أكثر من حبه للحرية والديمقراطية التي يدعيها، ويدافعون عن حقه ومجموعته ولو على حساب إهدار حق الأكثرية، وأما شعار العلمانية أو الليبرالية الذي اتخذوه، فمجرد ستار تتستر به الأقلية المُدللة المحمية لتمتطي ظهر الأكثرية، وبعضهم بالترويع والإرهاب الفكري والثقافي.

فالعدل كلٌ لا يتجزأ، وميزان لا يُحابِي. وأقصر طريق لحصول الجميع على الحقوق هو تبني حقوق الجميع، لا بناء هوية حقوقية منفصلة عن بقية المجتمع، ومنسلخة من الرابطة الوطنية الجامعة والفضاء الحضاري المشترك.

وحين يتحول الاختيار الشخصي ومعتقد أقلية إلى مناقض للهوية الحضارية الجامعة الأوسع، فإنه يفقد شرعيته، ويصبح أداة تمزيق وتفريق، لا رابطة جمع ووحدة. وهنا مهم التنبيه إلى أن الحديث ليس عن التراث وإنما عن الدين، إذ التراث ليس هويّة، لا لغة ولا مفهوما، بل حتى التراث نفسه كان شاملا لهويات كثيرة متداخلة، وأسهمت فيه تيارات متعددة، والحق غير محصور في جغرافيا أو قبيلة أو تاريخ.

قراءة 126 مرات آخر تعديل في الإثنين, 18 أفريل 2022 16:56