الثلاثاء, 19 أفريل 2022 17:17

الجامع والفرقة مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

يعلم الداني والقاصي أنّ البذل للمساجد أهلي بامتياز، أي أنّ المجتمع بكلّ أطيافه منشؤها ومنميها ومعتني بها، فميزانيته شعبية خالصة، وما يبذل له من أموال رواتب للقائمين عليه هي من مال دافع الضريبة وليس لأحد فضل أو منّة على هذه المؤسسات المنتجة للثابت على الدين والمكرّسة لوحدة المجتمع، وهو بذل سخي إلاّ أنّه يبقى ضعيفا بالنظر إلى قلّته التي لا تيسّر للمساجد القيام بوظيفتها المحدّدة شرعا، بالرغم من هذا البذل إلاّ أنّه يبقى قلّيلا، إذ يحتاج إلى بذل نوعي له عناية كبيرة بالتخطيط.

تبقى المساجد هي حصن الجمع واجتماع الكلمة وبذل المعروف لمن عرفه المصلون ولمن يعرفونه، من هنا كانت المساجد جوامع للخير والسعي لتنميته، وهي التي جعل الله الفضل لها في استئصال الفرقة بتأسيس عقدي لنفي التمييز بين الناس، وبالرغم من محاولات توريط هذه المؤسسة باستعمال الخطاب الجامع وسيلة للفرقة بقي المسجد جامعا، وتفعيل ما أسس له المسجد يرشّحه ليكون جامعا وساعيا للجمع ضدّ كلّ أنواع التفرقة، وشواهد ذلك أكبر من أن تحصى لكثرتها وتنوّعها، سنتوقّف عند بعضها في هذه العجالة.

- المسجد منزلته عند الله ثم عند الناس منبثقة من كونه محلا للسجود، لهذا فقيمة من حلّ به فعلا وصدقا بما تحلى به من صدق السجود، والسجود علامة الخضوع وتمام الافتقار إلى الله التي بها يتزوّد الساجد بالغني سبحانه وتعالى للحال والمآل العاجل والآجل. إنّه يمثّل موطن الانّصال لأنّ الصلاة صلة بين العبد وربّه، فهو إذن ظرف التواصل النوعي للتلقي ثم الترقي، ومن كان اتّصاله بالله عاليا حلّى اتّصاله بالخلق بهذه السمة من العلو في البذل والخدمة مرضاة للحق المتجلية في خدمة الخلق.

- المسجد يجمع كل مكوّنات المجتمع بمختلف مستوياتهم المعرفية والاجتماعية والمالية والفكرية و... يجتمع فيه الكلّ للذكر والتذكّر والتذكير والشكر. ولهذه المعاني أبعادها الفردية والمجتمعية والدولتية والإنسانية الظاهرة.

- هيئة الاجتماع للصلاة في المسجد تزيل الطبقية وتربي الناس على العيش بالمستويات الحقيقية للمنزلة البشرية، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات: 13)، يعيش الجميع معنى الكرامة الإنسانية، ويرسّخ هذه المعاني ما يسمعه المصلي في الصلاة الجهرية من المعاني المؤسسة لها، فيسمع قوله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ " (الإسراء:70)، لا تمييز في الكرامة بين غني وفقير ولا بين المسلم وغير المسلم ولا بين رئيس ومرؤوس،... يسمع التذكير المستمر بمعاني التوحيد التي تستأصل من نفسه قبول الذلّ أو الإذلال كاستئصالها للاستبداده أو قبوله، كلّ ذلك من أبعاد معاني الكرامة، التي يرسّخها التذكير بطريق التوالد بالضعف البشري، قال تعالى: "ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ مَّهِينٍۢ" (السجدة:8)، قال ابن عاشور في التحرير والتنوير: "والمهين: الشيء الممتهن الذي لا يعبأ به.

والغرض من إجراء هذا الوصف عليه الاعتبار بنظام التكوين إذ جعل الله تكوين هذا الجنس المكتمل التركيب العجيب الآثار من نوع ماء مهراق لا يُعبأ به ولا يصان"، أي أيها المتكبّر المتعجرف راجع الطريقة التي بها تخلّقت، لكي تعرف أنّها لاشيء، كما يسمع التذكير بأنّ كلّ الناس مشتركون في الوظائف البيولوجية (الأكل والشرب، والتغوّط، و...) قال تعالى:"وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا"(النساء : 43)، والأمر يطول في تأكيد أن المسجد جامع بالفعل يؤسس للوحدة في الإقبال على الله، يؤسس لوحدة الصف في الصلاة والحياة، يجتمع فيه على الخير، وما الدور الذي جسّده المسجد في أوقات الأزمات إلا شاهد إثبات على أنّه جامع لا يضيق من دوره إلاّ مفرّق.

- فضلا عما سلف فالمسجد لله ليس لأحد من الخلق، قال تعالى:" وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا "(الجن:18)، لا يحق لشخص أن يسأل غيره من الأشخاص إذا دخل المسجد لما دخلت، مهما كانت خلافاتهم الدنيوية أو الاجتماعية أو السياسية، لأنّ البيت ليس بيت أحد منهم، بل هو بيت الله، مصداقا لقوله تعالى: "في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (النور: 36)، لهذا يفرح المؤمنون بالتحاق أي فرد من أفراد المجتمع الإنساني( مهام كانت ديانته السابقة أو عرقه أو لونه أو انتماؤه الفكري أو السياسي أو...) بالمسجد مهما كانت بينهما من خلافات أو خصومات قديمة أو حديثة، لأنّ الملتحق إنّما التحق به ليلتحق بمجتمع السجود القائم على الجمع النابذ للتفريق.

- بناء على ما سلف، فإنّ المتضايق من انتشار المساجد متضايق من الجمع والفضيلة التي تنبثق منه، ويريد أن يؤسس لنقائضها تماما، إذ رفض الجمع يقدّم خدمة للفرقة، ورفض الجمع على السجود لله قبول بالسجود لغيره من شهوات واستبداد الفكري والفلسفي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي و...، الجمع المسجدي يؤسس للفضيلة ويدعو لها ويشجّع عليها، ورفض الجمع عليها اجتماع على نقائضها. ينتظر المسجد الجامع أن يكون القائم عليه مؤهّلا معرفيا وسلوكيا وتسليكيا للوفاء بهذه المهمّة النبيلة الثقيلة، وهذا يفرض تنمية الوقف المسجدي الذي نأمل أن يوفّر أعلى مستويات تأطير المساجد فيكون مؤطّرا بأعلى الكفاءات أخلاقيا ومعرفيا، تعبّر عن آلام المجتمع وآماله في تحقيق تنقية المجتمع من الرذيلة الفكرية والسياسية والاجتماعي والفنية و... بالتحلي بالفضيلة في كلّ شعاب الحياة الفردية والجماعية.

كان المجتمع بكل أطيافه ودرجاته في التدين بعصاته وطائعيه يتحفّظون من الحديث عن المساجد لأنّها في الضمير الجمعي تمثّل رأس مؤسسات الجمع، هم على هذا الموقف بالرغم من تحفّظهم على بعض المصلين، إلاّ نابتة جديدة تريد أن تتفرّق كلمة الناس على ما كانت مجتمعة عليه في موقفها من المساجد بوصفها جوامع على الخير العام، تيسيرا لافتراقها فيما كانت متّفقة عليه في الأيام القليلة الماضية، ولا استبعد أن تكون إثارة هذه القضايا خدمة مدفوعة الأجر للاستبداد وربيبه الفساد والإفساد؛ أو غباء في فهم المجتمع أو تغابي ولّده الحقد الإيديولوجي الذي أعمى البصر والبصيرة.

قراءة 145 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 19 أفريل 2022 17:26