الجمعة, 22 أفريل 2022 17:41

القومية العمياء دمَرت أوروبا... في فتح مكة أبطل الرسول دعوى وعصبيات الجاهلية مميز

كتب بواسطة : مراقب

كان أهم حدث في فتح مكة هو الإعلان النبوي في الفتح الأعظم أمام خلق كثير من قبائل شتى كانت بينها دماء في الجاهلية وحروب واقتتال وثارات وتعاظم وتفاخر بأحسابهم وأنسابهم وتكبرهم وما يدَعونه من شرف على غيرهم، فأبطل به الرسول، صلى الله عليه وسلم، دعوى وعصبيات الجاهلية بهذا البيان الرائع: "أيها الناس...إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عُبَيَة الجاهلية (فخرها وكبرها ونخوتها) وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: برَ تقي كريم على الله، وفاجر شقي هيَن على الله، والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب.."..وكان لهذا أثره على تاريخ الإسلام إجمالا، فكانت الحضارة الإسلامية أكثر الحضارات تسامحا دينيا وانفتاحا عقليا، ولم يعرف التاريخ البشري امتزاجا للأعراق والأقوام في أي حضارة مثلما حدث في تاريخ الحضارة الإسلامية، والتاريخ الإسلامي اتسم دائما بالاستيعاب والتنوع والاتساع.

وانتبه مفكرون مسيحيون منصفون إلى أن "الحضارة الغربية حضارة قومية خالصة، وتريد أن تهيمن على العالم، وفي مقابلها الحضارة الإسلامية العابرة للقومية، والتي تقبل دخول أي قومية بداخلها، وتعتبر نفسها صاحبة رسالة عالمية، ومن هنا يحدث الصدام المتكرر عبر التاريخ". ويُقرون بهذا أن أرحب فضاء يتسع للشعوب هو فضاء الحضارة الإسلامية، الذي لا ينحصر في المسلمين اعتقاد، بل يتسع لكل من شارك في التاريخ المشترك لشعوبنا، وإن لم يكن مسلما في دين.

وفي هذا السياق، كتب الباحث اللبناني الفرنسي أمين معلوف عن التمايز القومي في ختام الحقبة العثمانية: "اجتهدتْ مختلف الشعوب في تحميل بعضها مسؤولية الآلام التي تعاني منها: إذا كان العرب لا يتقدمون فذلك بسبب الحكم التركي الذي كان يجمِّدهم، وإذا كان الأتراك لا يتقدمون فذلك لأنهم يجرُّون منذ قرون عبء العالم العربي. أليست فضيلة القومية الأولى أنها تجد لكل مسألة مذنبا، بدلا من حل؟ إذنْ تمرَّدَ العرب على الأتراك مقتنعين أن نهضتهم ستُقلِع أخيراً، بينما كان الأتراك منهمكين في إزالة الآثار العربية عن ثقافتهم ولغتهم وأبجديتهم ولباسهم، ليتمكنوا من الانضمام إلى أوربا، بسهولة أكثر، وحمولة أقل".

وفي الأخير، لم يتحقق لأيٍّ من العرب أو الأتراك ما كان يحلم به، فلا العرب حقَّقوا نهضتهم بالتخلص من الحكم التركي، ولا الأتراك انضموا إلى الاتحاد الأوربي بتملُّصهم من العرب، وخسر الطرفان -كما خسرت شعوب إسلامية عديدة- قوة الوحدة والالتحام، وقطَّعت الأرحام الإنسانية والتاريخية التي نسجتها فيما بينها عبر القرون.

ومهم أن نستخلص العبرة من التاريخ الأوربي، فقد سارت أوروبا من قبل في مسار الشطط القومي، فانتهى بها إلى الدمار في الحربين العالمتين الأولى والثانية. وهكذا انتهت القومية الأوروبية (قومية الرجل الأبيض) المتعالية على بقية البشرية، المسوِّغة لنفسها كلَّ ضروب الظلم والاستعمار والاستغلال، إلى قومية ألمانية متعالية على بقية الشعوب الأوربية، تتبنَّى نظرية العرق الآري المختار التي جسدتها النازية بكل همجيتها. وربما من الإنصاف الاعتراف للغربيين بالعقل في إدارة شأنهم الداخلي على الأقل، فقد تجاوزا الأيديولوجيات القومية التقليدية داخل الغرب ذاته، بعد أن دمرتهم تلك الأيديولوجيات في الحربين العالمتين الأولى والثانية.

وقد أحسن المفكر الموهوب "مالك بن نبي" الربط بين مراحل هذا المسار، فكتب: "لقد انقلب الاستعمار في الضمير الأوربي إلى قومية عمياء، آلت بعد تصفيتها وتكريرها إلى أسطورة (الجنس المختار)، التي ستُتَّخذ فيما بعدُ ذريعة إلى بلوغ قمة البربرية، وبذلك أدَّى قيام الاستعمار على أساس احتقار الأجناس إلى نشوء (جنس أسمى) بين سائر أجناس البشرية". وواضح أن أوروبا استخلصت العبرة الصحيحة من هذا المسار، بعد ما ذاقتْه من دمار، فاعترفت بفضائها الحضاري المشترك، وبدأت مسار وحدتها بعد الحرب العالمية الثانية، على أسس ليس فيها شطط قومي، ولا عرق أسمى من سائر الأعراق.

ولا يعني هذا أن الانتماء القومي ليس هوية شرعية، وإنما نقصد أن الانتماء القومي -وهو انتماء شرعي شأنه شأن كل الهويات الاجتماعية- يحتاج إلى أن يتسع صدره للانتماءات الحضارية الأكبر والأهم، وهي الفضاءات الحضارية والدينية الأوسع، وهذا إذا أُريد للمجتمعات أن تدير هوياتها المتعددة إدارة راشدة. أما حين يتحول الانتماء القومي إلى مناقض للهوية الحضارية الأوسع، فإنه يفقد شرعيته، ويصبح أداة تمزيق وتفريق، لا رابطة جمع ووحدة.

قراءة 156 مرات آخر تعديل في الجمعة, 22 أفريل 2022 18:29