الأربعاء, 04 ماي 2022 16:30

الحراك من قوة المبدأ إلى قوّة الفعل مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

يستمد الحراك قوّته من إخلاص المنتسبين إليه إلى فكرة تحويل وعي الشعب بأهميته للوطن وأهمية الوطن بالنسبة إليه، وخاصة في ظل اكتشاف الشعب أنّه يملك الإرادة والقدرة على تنمية هذه الفكرة والثبات عليها، وعلى الرغم من وضوح فكرة الحراك بوصفها وعيا جمعيا، نلاحظ ميل بعض المنتسبين عن لتعاون بخلاف خصومهم.

لماذا يختلف المنتسبون إلى الحراك الأصيل وهم أصحاب فكرة تمثّل أعلى درجات الوعي الوطني الراشد، إذ فكرة الحراك نفسها عظيمة ومشروعها كبير، وهو ما يفسّره عقد الشعب آماله عليه، وينتظر منه إسهاما كبيرا في حلحلة الواقع السياسي الراكد المتدحرج من وضع سيّء إلى آخر أسوأ، ويكاد التنافس المهلك بين بعض المحسوبين على قيادة الحراك أن يقتلهم التنافس والتزاحم وحب الهيمنة على سلطة القول فيه، بينما خصوم الحراك من كتبة الحواشي على مَنْ غَلَب وسلب وأخصُّ بالذكر كل المنتفعين من الريع -عبر مختلف المراحل- فتراهم على اتّفاق، مجتمعون على محاربة كلّ محاولة جادة لاستعادة الشعب المبادرة السياسية الحقيقية، ويقع هذا مع أنّ الأصل أن يكون المنتمون إلى الحراك بحق وصدق على وفاق يتعاونون على تحرير مساحات إضافية للنضال السياسي الحقيقي.

ومع أنّ الأصل في طلاّب الرغيف والوظيف والترقية فيه -عبر مختلف الحقب- التنافس في تحصيل ترقية في وظيف أو تحصيل رغيف محسّن، والواقع خلاف ذلك تماما، فالفريق الثاني على وفاق في محاربة الحراك الحقيقي، الذي -كما هو معلوم- أكبر طموحه استعادة الشعب للمبادرة السياسية الحقيقية التي تستعيد الشعب إلى قلب الفعل السياسي الوطني الراشد، والفريق الأول يظن كثير من المنتسبين إليه أنّهم ليسوا بحاجة إلى التعاون مع غيرهم من الحراكيين الصادقين، فلما هذا الواقع المزري، وهل هذا أمر سنني (فطري)؟ سنبيّن ذلك من خلال وقفات تحليلية مع نفسية الفريقين: اختلاف مكوّنات الفريق الأول (أهل الصدق مع الحراك) ليس لفقد تصوّر صحيح للحراك ولا فقد الوعي بأهمية الحراك الحقيقي في إحداث الوثبة السياسية المنتظرة، كما أنّ اتّفاق مكوّنات الفريق الثاني، القائم على إفشال كلّ المحاولات السلمية للتغير السياسي السلس، ليس لصحّة وجهات نظرهم أو قوّتها، بل لحرصهم على منافعهم الخاصة وهي التي ذفعتهم للاجتماع ضد المهددات الخارجية لمنافعهم الشخصية والتي في الغالب مصدرها الحراك الحقيقي..

لهذا يعملون على إيجاد حراك ضرار أو نسف الحراك الحقيقي بحملات مستمرة للتشويه، فهم لأجل استدامة امتصاص المنافع، التي نالوها بغير وجه حق، يعملون المستحيل لتحريض العامة ومن لفّ لَفَّهُم ضد أي حراك يستعيد بها الشعب المبادرات السياسية الحقيقية. والواقع أنّ الفريق الثاني سننيا يتكاتفون ويتعاونون ويلتف بعضهم على بعض ويلمّع بعضهم صور بعض، وتفسير ذلك هو ضعف حجّتهم وقلّة حيلتهم السياسية وخاصة في الظروف الشفافة، هذا ما نفسّر به اجتماع كلمتهم على الباطل لأنهم يؤمنون بالتعاون لأجل منع الخطر المهدد لمنافعهم كمجموعة، هذا أهمّ عامل سنني يجعلهم يلتفون على رموزهم ويخدم بعضهم بعضا ولصالح مجموعتهم فقط ولا شيء غيرها..

 

فالتفافهم على الباطل بهذا الإصرار منبته اليقين بالضعف وقلّة الحيلة السياسية والفكرية والاتّصالية، وهم بهذا مثلهم كمثل بعض العجماوات لا تراها تسير منفردة بل تتحرّك في الكون كمجموعات وتميل إلى السير منفردة في شعاب (الطبيعة) (الحمار الوحشي مثلا)، بينما الفريق الثاني يظن أن قوّة الحجة تغني عن الاتّحاد والتعاون والتحرّك كمجموعة وطنية واحدة، ذلك أنّنا سننيا نلاحظ أنّ من امتلك قوّة الحجّة أو قوة المعلومة أو قوة التحليل أو قوّة المال أو قوّة الجاه أو أي عناصر من عناصر القوة المادية والمعنوية يظن أنّه ليس بحاجة إلى الاتّحاد مع غيره أو التعاون معه، وهذا يذكرنا بسمات تميّزت بها بعض العجموات التي قد يكون تصرّفها مفهوما بالنظر إلى ما فُطِرَت عليه في أصل الخلقة، فملاحظة بعض الحيوانات التي ملّكها الله شيئا من عناصر القوّة الجسدية كالأسد والنمر والفهد أو قوّة الحيلة كالذئب والثعلب و...

وهي بالنظر إلى مواصفاتها المشار إليها تسير أفرادا في الغالب، وهو تحرّك بمقتضى الغريزة لكائنات غير عاقلة، أي أنّ ما امتلكوه من قوّة جعلتهم مستغنين عن التفكير في الوِحْدَة والتعاون حتى داخل المجموعة الواحدة منها (الفهود، النمور، الأسود،...)، وللأسف يشاركهم هذا التصوّر بعض الكائنات العاقلة فتظن أن امتلاك أي عنصر من عناصر القوّة يغني عن الوحدة والتعاون.

يظن الممتازون بالقوّة المعنوية أو المادية أنّ إقبال الناس عليهم دائم، فيتصرّفون تصرّف المالك لا تصرّف الناصح المحلّل المتعاون مع غيره لأجل الخير الحراكي العام، وبالرغم من علمهم بأنّ إقبال الناس عليهم ليس مضمونا باستمرار، بل هو وقتي مهما طال، ذلك جمهور العامة يقوّم الحركة وحركة الفكرة في التاريخ أي بالنظر إلى حاضرها ومستقبلها المنظور، ولن يبقى على الموقف نفسه باستمرار، بل قد تنقلب الأمور بين عشيّة وضحاها، لهذا فالشهرة المهرجانية والسبابية والفضائحية والفُحْشِيَة وقتية سرعان ما تذوب بمجرد ظهور حرارة الفكرة الصحيحة، فتعود الأمور إلى نصابها أي يكتشف المجتمع الوزن الحقيقي للأفكار المحيية والأفكار التي تصل أحيانا مصاف العبثية والشنشنات اللفظية والشغفارية الفارغة التي تُعَدُ في البداية والنهاية مشروع اصطدام بواقع، لأنّه مشروع غير واقعي.

الحراك بحاجة إلى عقلية تدبيرية تعرف متطلبات المرحلة التي رأسمالها الاتّحاد وتقريب وجهات النظر لأجل نضال جماعي يقصي الإقصاء ويمنع صناعة زعامات (قيادات)ضرار للحراك أو قيادة امتلكت التقديم بالشرعية الابتلائية أو الشرعية المصطنعة، وهي من الأساليب العتيقة لتكوين القيادات الضرار في السياسة والفكر و.. والتي في الغالب تتعهّد تسويقها الدوائر ذاتها وبالأساليب نفسها عبر مختلف المراحل.

الحراك الراشد يكسب رشده من التعاون بين كلّ المكوّنات تحت سقف الوطن وهويّته، يتحيّن فرصة التقارب والتعاون والتنسيق بين كلّ المكوّنات وفق ما تقتضيه المرحلة، والتي لا يتم الحسم فيها بغير تشاور حقيقي بين الثابتين على أنّ الحراك هو وعي الشعب بحاجة الوطن إليهم وحاجة الوطن إلى الشعب، وهو أوّل مداخل إيجاد فعل سياسي جماعي راشد. لهذا فإنّ قوّة فكرة الحراك بوصفه وعيا جماعيا لا تغني عن التفكير الجدّي في قوّة الفعل الحراكي المبني أساس على التعارف الحقيقي ثم التعاون على التحرّك الميداني، وهو ضامن لمنع استعمال الحراك ضد نفسه، أي صد كلّ محاولات معارضة المعارضة.

قراءة 182 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 04 ماي 2022 16:43