الإثنين, 16 ماي 2022 17:18

فُحش إسرائيلي بتواطؤ غربي وعربي مميز

كتب بواسطة : ألان غريش / مدير مجلة "أوريان 1"

الفُحش هو القبيح والشنيع من القول والفعل، وما يتجاوز الحدّ. لا عجب إذن أن تكون هذه الكلمة أوّل ما يتبادر إلى الذهن لما نرى مشاهد جنازة الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة التي اغتيلت يوم الأربعاء 11 مايو 2022 على يد الجيش الإسرائيلي. هجمت الشرطة الإسرائيلية على نعشها الذي كاد يسقط، ونزلوا ضربا بالهراوات على حامليه وعلى المتظاهرين، وأطلقوا قنابل صوتية، ومزقوا الأعلام الفلسطينية. حتى لو وضعنا جانباً هنا أي حكم سياسي، فإن هذا التصرّف اعتداء صارخ على الكرامة الإنسانية، وينتهك مبدأ مقدّسا منذ فجر التاريخ، وهو الحقّ في الدفن بكرامة..لم تحاول إسرائيل إخفاء أفعالها، لأنها تحديداً لا تعتبرها فاحشة.

تلك الوقاحة، تلك الغطرسة، وذلك الشعور الاستعماري بالتفوق الذي لا يميّز فقط غالبية الطبقة السياسية الإسرائيلية، ولكن أيضًا جزءاً كبيراً من وسائل الإعلام الذي يُساير الرواية التي يروّجها المتحدثون باسم الجيش. قد يكون الإسرائيلي إيتامار بن غفير نائباً فاشياً، كما هو حال -مع مراعاة بعض الاختلافات- عديد أعضاء الحكومة الحالية أو عناصر من المعارضة، لكنّه يعبّر عن شعور سائد في إسرائيل عندما يكتب: عندما يطلق الإرهابيون النار على جنودنا في جنين، يجب على هؤلاء ردّ الفعل بكل القوة اللازمة، حتى عندما يكون “صحفيو” قناة الجزيرة متواجدين وسط المعركة لتعطيل جنودنا. تؤكّد هذه الجملة أن اغتيال شيرين أبو عاقلة لم يكن عرضيا، بل نتيجة سياسة متعمّدة ومنهجية ومدروسة.

وإلّا، فكيف نفسّر أنه لم يتم أبدا اغتيال أي صحفي إسرائيلي من بين أولئك الذين يغطّون نفس هذه الأحداث، في حين أن 35 صحفيّا فلسطينيا قُتلوا منذ سنة 2001 حسب منظمة مراسلون بلا حدود؟ معظم هؤلاء كانوا مصوّرين، وهم يُعتبرون الأكثر “خطورة” لأنهم يروُون بالصور ما يحدث على الأرض. هذا التباين هو أحد جوانب الفصل العنصري -أو الأبرتايد- القائم في إسرائيل وفلسطين والذي قامت منظمة العفو الدولية بتشخيصه جيدًا: فبحسب كونك مستعمِراً أو مستعمَراً، تتغيّر “الأحكام” الإسرائيلية بشأنك، وغالبا ما تكون عقوبة الأضعف.. هي الإعدام.

هل يجوز أن يحقّق الجاني في الجريمة التي اقترفها؟ على الأقل هذه المرّة، أثار اغتيال شيرين أبو عاقله بعض ردود الفعل الدولية الرسمية، وقد ساهمت في ذلك شهرتُها وكونها مواطنة أمريكية ومسيحية. حتى إن مجلس الأمن الدولي تبنى قرارًا يدين الجريمة ويدعو إلى تحقيق “فوري وشامل وشفاف وحيادي”، دون أن يصل إلى حد المطالبة بتحقيق دُولي، وهو أمر دائما ما رفضته إسرائيل.

لكن هل يجوز إشراك المسؤولين عن الجريمة في إجراء التحقيقات؟ ناهيك أن منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية مثل “بتسيلم”، وأخرى دولية مثل منظمة العفو الدولية أو هيومن رايتس ووتش توثّق منذ سنوات كيف أن “تحقيقات” الجيش نادرًا ما تفضي إلى نتيجة. هل ستُسفر هذه الاحتجاجات الرسمية عن قرارات فعليّة؟ يمكننا منذ الآن الإجابة بالنفي. فلن يكون هناك تحقيق دولي، إذ لا الغرب مستعدّ ولا الدول العربية التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل مستعدّة لتجاوز مرحلة التنديدات اللفظية التي لا تخدش أحداً. ولا هي ستعترف بما يؤكّده التاريخ الحديث، كون كل تنازل لإسرائيل لا يشجّعها على التصرّف بـ“اعتدال”، بل يشجّع الاستعمار والقمع. من يتذكّر أن الإمارات العربية المتحدة زعمت أن فتح سفارة لتل أبيب في أبو ظبي سيمكّن من التأثير على السياسة الإسرائيلية؟ وهل أدّت محاباة واشنطن أو الاتحاد الأوروبي للحكومة الإسرائيلية، “حليفتنا في الحرب على الإرهاب”، حتى إلى تباطؤ في استعمار الأراضي المحتلة الذين يتظاهرون بإدانته؟ المحكمة العليا تصادق على الاحتلال حدثان أخيران أكّدا لامبالاة تل أبيب المطلقة بـ“توبيخات” أصدقائها.

فقد أيّدت المحكمة العليا في إسرائيل أكبر عملية تهجير للسكان منذ عام 1967، والتي تتمثل في طرد ألف فلسطيني يعيشون في ثماني قرى جنوب الخليل، وقد أعلنت المحكمة -بكلّ وقاحة- أن القانون الإسرائيلي فوق القانون الدولي. لم يحرّك الغربيون ساكناً أمام هذا الأمر، فهم منشغلون بمعاقبة روسيا. وفي نفس يوم جنازة شيرين أبو عاقلة، أعلنت الحكومة الإسرائيلية بناء 4400 منزل جديد في مستوطنات الضفة الغربية. ولِم لا، وهي تعلم جيدا أنها لن تتعرّض إلى أي عقوبة، وأن الإدانات -إن صدرت- ستجد سبيلها إلى سلّة مهملات وزارة الخارجية، ويتم تعويضها بالتذكير الدائم بدعم إسرائيل. وقد أكّد إيمانويل ماكرون على هذا الدعم في مايو 2022، عندما تعهّد بتعزيز "التعاون [مع إسرائيل] على جميع المستويات، بما في ذلك على المستوى الأوروبي[...].

إن أمن إسرائيل في صميم شراكتنا"، حتى إنه أشاد بجهود إسرائيل “لتجنّب التصعيد” في القدس. ما يحدث في الأرض المقدّسة منذ عقود ليس حلقة جديدة من “الحرب على الإرهاب”، ولا هي “اشتباكات” بين طرفين متساويين، كما يُفهم من بعض عناوين وسائل الإعلام وبعض المعلّقين. كذلك، فإن الفلسطينيين لا يتعرّضون إلى هجوم من قبل كائنات فضائية، كما قد يوحي بذلك ردّ فعل وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان على حسابه الرسمي على تويتر حيث كتب: "لقد أُصبتُ بصدمة وفزع شديدين أمام أعمال العنف غير المقبولة التي حالت دون تشييع جنازة السيدة شيرين أبو عاقله في سلام وكرامة".

أما بالنسبة لأصحاب الموعظة الذين يلومون على الفلسطينيين استعمالهم للعنف -رغم محدوديته مقارنة بممارسات الإسرائيليين-، فلنتذكر ما كتبه نيلسون مانديلا، الذي أصبح رمزًا محنّطًا بالنسبة إلى العديد من المعلّقين، والحال أنه كان ثوريًا يقود الكفاح المسلح من أجل إنهاء نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) التي ظلّت إسرائيل من أهم حلفائه حتى النهاية: دائمًا ما يكون الظالم وليس المظلوم هو من يحدّد شكل النضال. إذا استخدم الظالم العنف، فلن يكون أمام المظلوم خيار سوى الرد بالعنف. وفي وضعنا، كان ذلك مجرّد شكل من أشكال الدفاع عن النفس.

رُبما لن نعرف أبدًا هُوية الجندي الإسرائيلي الذي ضغط على الزناد وقتل الصحفية الفلسطينية. لكن ما نعرفه بالفعل هو أن سلسلة التواطؤ طويلة. صحيح أنها تنبع من تل أبيب، لكنها تمتد حتى واشنطن، مروراً بأبو ظبي والرباط، ووصولاً إلى باريس وبروكسل. فاغتيال شيرين أبو عاقلة ليس عملاً منعزلاً، بل هو جريمة جماعية.

قراءة 81 مرات آخر تعديل في الجمعة, 20 ماي 2022 11:09