الجمعة, 27 ماي 2022 13:21

الحلَ التركيبي للصراع...هل تصلح تجربة باكستان للاستلهام؟ مميز

كتب بواسطة :

قصتي مع إمكان الاستلهام من تجربة علاقة العسكر بالقوى المدنية والحكم في باكستان بدأت في أمريكا في سلسلة حوارات شارك فيها مصريون وباكستانيون وخليجيون وسوريون وأتراك، كل تجارب الحكم العسكري، مشرقا ومغربا، كانت حاضرة تقريبا، وكان هذا في العام 2001، وما خلصنا إليه، وانتهاء بإضافات هامة للبروفسور سليم بن خدة (2021) ومقدماته الضرورية الثلاث للتعامل مع أي تجربة بحثا عن حل عملي.

الباحث والمفكر السياسي "عزمي بشارة" تحدث في الموضوع لكن من غير إسهاب، لأنه ركز أكثر كتاباته على الانتقال السياسي الديمقراطي للحكم، أما معضلة المعضلات، بل معضلة القرن، وأم المعارك السياسية "العسكر والحكم"، فلم يُكتب عنه كثيرا، فهذا من أقل الموضوعات كتابة وتقليبا وإنضاجا وغوصا.

وباب الاجتهاد مفتوح، وربما كان أكثره نجاحا ودهاء تجربة أردوغان في "تحييد" العسكر، بحذر وعلى مراحل، ولكن للتقاليد السياسية في تركيا وقربها من النموذج الغربي تأثير في تسهيل إنجاح الانتقال السياسي في تركيا، وهو ما نفتقده في بلادنا، تبقى تجربة باكستان حاضرة بقوة، بعد فشل تجربة الترابي (رحمة الله عليه) في اختراق العسكر واعتماده عليهم في الوصول إلى الحكم، وكان للمفكر الفيلسوف شيخ جعفر إدريس ملاحظات مهمة في نقد هذه التجربة وتأثيراتها السلبية على القوى المدنية...

وشدني ما استخدمه هذا العقل السوداني الفذ، لوصف الخيار التركيبي في التعامل مع العسكر، واستعاره من إرث المعتزلة عبارتهم الشهيرة: "المنزلة بين المنزلتين" في إدارة العلاقة مع العسكر أقرب إلى النموذج الباكستاني، وخاصة إدارة الجيش للأزمة السياسية الأخيرة بين المعارض السياسي ذي الشعبية الجارفة "عمران خان" والحكومة، إذ إن "عودتهم إلى الثكنات وإرغامهم على ذلك، هذا يعني حربا أهلية، فلن يسمحوا به، واستمرار استئثارهم بالحكم يعني الخراب والتحطيم الشامل والدولة الفاشلة الجاثمة على صدر بلداننا اليوم، فيلزمنا البحث عن المنزلة بين المنزلتين"، هذا كان تقديره واجتهاده في لقاء ثري معه في بيته العامر في فيرجينيا في 2001...

وهذا التقويم يستند إلى تجارب وخبرة ممتدة، فلا التصادم مع العسكر (في الجزائر ومصر) نجح، ولا التحالف معهم أثمر وأينع (في السودان وباكستان)، فهل ثمة طريق ثالث بين توغل العسكر (ما هو كائن) وتنحيته (لم يتحقق حتى الآن ودونه أنهار من الدماء)، هذا مجال اجتهاد وتفكير عملي يستحق النظر والتأمل وإنضاج الرؤية والموقف والتقدير والتدبير.

ما يميز السلطة في باكستان أنها لم تتخذ مسارا واحدا، فقد اتخذت طابعا عسكريا حينا ومدنيا أحيانا أخرى. وتعدَ باكستان من أهم النماذج للتحالفات العسكرية المدنية، لكن الغالب على العلاقة بينهما الصراع بين المدنيين والعسكريين في إدارة مقاليد السلطة والهيمنة والسيطرة على الحياة السياسية، لكن ثمة مسافة بين القوى المدنية والعسكري وقلَ أن ترى ذوبانا، وهذا التباعد وقدر من المسافة (بين القوى المدنية والعسكر) والمساحة من الاستقلالية والحرية، لا يتحقق إلا بحذر وعلى مراحل وحسن تدبير وتقدير للشأن السياسي..فلا تجارب التصادم مع العسكر (الجزائر ومصر) نجحت، ولا تجارب التحالف (السودان وباكستان) أينعت، لكن وجود المسافة والمساحة في التجربة الباكستانية، مع قوة تأثير العسكر في المشهد السياسي، يمكن البناء عليه للدفع باتجاه مساحة أكبر للقوى المدنية، ولكن صراعاتها أغرت العسكر بالتدخل أكثر..

وأما تجارب الاختراق والاستخدام، فهذه رائدها المفكر والسياسي السوداني الراحل "حسن الترابي"، فقد كان انقلاب "الإنقاذ" في السودان آخر نجاح باهر للمنهج الحركي الذي انتهجه الإسلاميون السودانيون، لكنه وضعهم على عتبة أول فشل سياسي مدوٍّ في تاريخهم، وهذا رأي المفكر السوداني قرين الترابي، الشيخ جعفر إدريس، وما اعتبره إسلاميو السودان نجاحا في اختراق مثير لجهاز الدولة، وفشل فيه غيرهم في البلاد الأخرى، تحوَل إلى أكبر كارثة على حركة التغيير، فقد تمخض هذا ّالنجاح" في الاختراق عن فشل عظيم في إدارة الدولة..فكل محاولات التغيير، تقريبا، جُرَبت، ولم يبق، ربما، إلا خيار التركيب بين أجزاء الحل.

وهنا مهم التنبيه إلى ما اشترطه البروفسور سليم بن خدة في أي بناء لتجربة سياسية أو تعامل مرن أو بحث عن حل عملي، ورآها مقدمات ضرورية مُلزمة في أي اجتهاد سياسي: الأولى، أننا لسنا طرفا في أي صراع بين أجنحة الحكم، ولا نميل لطرف دون آخر ولسنا بمعنيين بمعارك السلطة الداخلية، الثانية: أننا لن ننخرط في أي مسار أحادي للحكم ولن نكون جزءا من خريطة طريقه، والثالثة: السلطة الفعلية جزء من الحل ولا يمكن إقصاؤها من أي تسوية سياسية قادمة.

قراءة 90 مرات آخر تعديل في الجمعة, 27 ماي 2022 13:35