الخميس, 09 جوان 2022 09:15

السلفية وتحولاتها...من بغداد إلى الشام وانتهاء بنجد مميز

كتب بواسطة : مراقب

الحاجة إلى التوضيح أكثر بشأن السلفية، لأن الحديث عنها مؤخرا في مقابل الصوفية تشعب، وهي من الموضوعات المثيرة للجدل، والتركيز على السلفية المعاصرة أهم، فما يهمَ هو الحاضر والمستقبل، أما الماضي فللاعتبار والدراسة النظرية والنقدية:

- محنةُ خلق القرآن في العهد العباسي وصمود الإمام أحمد بن حنبل فيها، بوصفه من أعلام مدرسة أهل الحديث وأئمتها، يرى فيها باحثون لحظة الانفجار وبداية التأسيس النظري المعلن للسلفية، فهذه المحنة جعلت السلفية تعلن عن نفسها. وارتبطت بالإمام أحمد ابتداء، وكانت بغداد هي موطن أهل الحديث وعاصمتهم، وكان لهم فيها المنعة والقوة والتأثير، وكانت بداية المحنة وإرهاصاتها في عهد المأمون (والأقرب أن المأمون كان جهميا جبريا) ثم اشتدادها في عهد المعتصم، ثم تفاقمها في عهد الواثق، وبرز فيها موقف الإمام أحمد بن حنبل برفض القول بخلق القرآن وابتلي وامتحن وصبر وصمد.لكن القصة أُضيفت إليها روايات تعتمد الخوارق والمبالغات كلما امتدّ الزمن، وهكذا صار لدينا الإمام أحمد الحقيقي والإمام أحمد المتخيل، والسلف الحقيقي والسلف المُتخيَل.

- المزاج الحنبلي له أثر خاص، فهو مذهب لا كالمذاهب، فليس مذهبا فقهيا ينصب على الفروع كما هو حال المذاهب الأخرى، بل هو مذهب اعتقادي أيضا داخل المظلة السنية، امتزجت فيه العقيدة بالفقه منذ أمد بعيد، وهو حركة اجتماعية تحمل همَ الإصلاح والتغيير، فكانت حركة مناضلة متحركة في التاريخ الإسلامي وليس مجرد مذهب فقهي علمي، وأهم ملامح مزاجه، قربه من النقل وبعده عن العقل، يوغل في التأصيل، والسلفيون وهم امتداد للحنابلة يبحثون لكل فكرة جديدة عن سلف، فهناك ريبة من كل جديد وبحث عن أصل لكل جديد..وهم فزعوا عن الآراء إلى الروايات لعد ثقتهم بالثقافة العقلية وهذا ربما نتيجة صراعاتهم مع المعتزلة والعقلانيين.

- والحنبلية بوصفها حركة إصلاحية اجتماعية، سواء نظرنا إليها في مركز ثقلها الأول في بغداد، ثم انتقالها إلى الشام في القرنين السابق والثامن الهجري، ثم في رحلتها الثالثة التي انتهت في الحجاز ونجد، تحمل دائما قلقا وحرقة على حال المسلمين، ولكن هذا يتحول أحيانا إلى إقلاق للمسلمين الآخرين من شدة الإنكار والجفاء عليهم..وهذا ما جعل الحنابلة من أشد المدارس وأكثرها صراعا مع الطوائف والمذاهب الأخرى، وعندهم الانفعال الزائد في الدفاع عن السلف، ويؤدي هذا أحيانا إلى مصادمات، وتضييق الدائرة السنية إلى حد كبير واحتُكرت.

- ولشيخ الإسلام ابن تيمية، بعد الإمام الشافعي، تأثير محوري في إيقاظ الفكر السلفي بعد سباته وتجديده بعد انحساره قرونا، ولم يكن هذا الإحياء مقصورا على النقل، بل كان إيقاظا منهجيا أعاد من خلاله ترتيب مقولاته والبرهنة على أصوله في الفلسفة والتصوف وسائر مناحي المعرفة، بل وولَد مفاهيم وأصول جديدة، ووسع من خلالها مفهوم السلفية وفتح لها آفاقا جديدة. ولهذا صاغ ابن تيمية الاتجاه السلفي، حسب رؤيته، في نظرية متماسكة في القول والعمل، وفي الواقع هناك عدة أسباب أهلت ابن تيميه لهذه المهمة التجديدية، منها أن ابن تيمية لم يترك طائفة من الطوائف المخالفة لم يردّ عليها، ودقة فهمه لأقوال الفلاسفة وسعة نقده لهم، وتفننه الهائل في مختلف العلوم، وأنه كان يسعى لخدمة "العامّة"، وموقفه البطولي ضد غازان والتتار عموما، ودخوله في المعارك بنفسه وانشغاله بالعمل العمومي فضلا عن العلم، وتلك العاطفة الحارّة والصدق المتبدّي في كتاباته الغزيرة، وإطلاقه باب الاجتهاد، وحرية البحث والجهر بالنتائج بلا مبالاة بالعواقب، وتحمّل السجن من أجل آرائه، وغير ذلك من الأسباب، إنه شخصية ملهمة حقا.

- ومن الدعوات السلفية المؤثرة بعد ابن تيمية، دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد، وإن كان لا مجال للمقارنة بينهما، علما ومعرفة وحضورا وتنوعا وسعة، وهي من الدعوات التي أثرت في أكثر الحركات الإصلاحية بعدها، وكان صلب فكرتها دعوة الناس إلى المنهج الأول وردهم إلى الوحي، كتابا وسنة، ولم يكن ابن عبد الوهاب من المجتهدين ولا ادَعى ذلك، وارتبطت دعوته بالحكم وكان شريكا أساسيا في تأسيس الدولة في نجد، ثم توسعت، وقامت على السيف والدعوة.. ومن المآخذ عليه أنه كان يُسرف في التكفير وما يترتب عنه، ويُضيَق مساحة العذر بالجهل، ورسائله موجزة قلت فيها التأصيلات العميقة، لكن يُراعى في كل هذا السياق التاريخي، والزماني والمكاني، والعقلية المنغلدة السائدة في نجد آنذاك.

- وأما السلفية المعاصرة، فكانت تعني أكثر ما تعني مدرسة الإحياء الإسلامي، فهذه المدرسة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كان يُطلق عليها السلفية، بمعنى التوجه الإسلامي عموما، بما في ذلك مدرسة الأفغاني ورشيد رضا ومحب الدين الخطيب والخطابي وابن باديس..- ويُقصد بها حالة الإحياء الإسلامي في مواجهة الاستعمار وأنصاره، وكانت تعني أيضا مواجهة الأفكار الاستعمارية، ثم مواجهة المد القومي بعد ذلك واليسار وهكذا..ثم استعادت الحركة الوهابية حضورها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وأصبحت السلفية أقل اتساعا، وصار التجمع حول هذا المصطلح مرتبطا أكثر بحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وضاقت دائرته...ثم انقسمت السلفية إلى مدارس مختلفة، وأصبحت جزءا من الحالة الإسلامية..واهتمامها أكثر انصب على التوحيد وحرصت على التميز عن الآخرين داخل المجال الإسلامي العام، وأصبحت تعني، أحيانا، العودة إلى الكتاب والسنة، وأصبحت تعني الاحتجاج على الحاضر، وهذه من المعاني التي انتشرت في مجتمعاتنا في العقود الأخيرة...وهي تستقوي، إجمالا، بالماضي ومندمجة في تاريخه ووقائعه ومشكلاته أكثر مما هي مُندمجة في الحاضر والمستقبل، ولها محاسن لا تُنكر، إذ الانحياز المُضاد ظُلم للعقل والناس والواقع في زماننا، والقمع الفكري والإساءة للماضي، أيا كان الماضي، لا يفيدنا في إصلاح الحاضر والاتجاه نحو المستقبل.

- ومن محاسن "التسلف" هو الثقة بمرحلة معينة، لها فضل السبق والتميز، لكنها في الوقت نفسه تُغيَب النفس عن الحاضر، فهي نوع من الهروب إلى منطقة آمنة وموثوقة ومحبوبة ومفضلة، لكنها لا تحاول أن تعالج معاناة ومعضلات اللحظة التي تعيشها، لأنها تفكر من خلال صورة تاريخية كبيرة.- ومن مظاهر "التسلف" عدم الثقة بالحاضر وإمكاناته الشخصية، ولا يثق بمواجهته لمشكلات مجتمعه، ولا يثق بإمكان إبداع الحلول، ولذلك يستند، دائما، إلى حالة غير موجودة ويستدعي قوتها وتأثيرها، لكن هو غائب، إلى كبير، عن الحاضر...وهي نوع من "الاغتراب المعرفي"، تجدده يدرك ويحفظ كثير من تفصيلات وتفريعات الزمن الماضي، لكنه يغيب عن إشكالات عصره وتغيب عنه المرونة في التعامل مع واقع وبيئته ومكوناتها، وثقافته لا تساعده في هذا...وغالبا ما يكون السياق الثقافي مغلقا لا يسمح له بالرؤية خارجه..

- في التصوف والتسلف..العقلية الصوفية هيمنت على السلفية، فحضور الشيخ في عقل السلفي لا يختلف عن حضور الشيخ في عقل المريد الصوفي، وقد يكون السلفي أكثر تصوفا من الصوفي، حضور الشيخ في عقله طاغ ومُلزم ألجمه وأغلق تفكيره...والقصة قديمة متجددة...السلفيون يعيبون على المتصوفة منطق الطريقة، وهم حوَلوا "السلفية" إلى طريقة لها طقوس وأشياخ ومريدون!!

- ثمة سلف حقيقي وسلف مُتخيَل...و"التصوف السلفي" في جوانب منه أقسى على الناس من الحركات الصوفية المنتشرة، واستُخدم التسلف للتزلف..والتجربة العملية المعاصرة شاهدة على هذا...وكلاهما استُخدم أداة سياسية للهيمنة والتسلط..آل سعود وظفوا "التسلف" لبسط سلطتهم القهرية وإضفاء الشرعية على ملكهم العضوض، وأبناء زايد في الإمارات استعملوا "التصوف" للتملق للأمريكان والصهاينة ومحاربة الخط السلفي، وتركيا تستخدم إرثها المتصوف للمزاحمة على الزعامة السنية وهكذا...

- وأثرُ المثقف المسلم المعاصر هو الاستفادة من كل هذا الإرث بعقل منفتح والبحث عن الحق في كل المدارس، لإنقاذ اللحظة وليس لإنقاذ الماضي وتقديسه.

قراءة 66 مرات آخر تعديل في الخميس, 09 جوان 2022 14:33