السبت, 18 جوان 2022 07:39

السياسة من التبعية إلى المبادرة مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

السياسة سواء كانت في الأطر الفكرية النظرية أو التنظيرية والتدبيرية، وسواء كانت منتظمة في مؤسسات سياسية رسمية أو غير رسمية تكون ذات جدوى إذا كانت غايتها خدمة الوطن والتعلّق بأفق وطني لتطوير الأداء السياسي بصفة عامة، فعل سياسي نظري أو تدبيري حكيم لا يهتم أصحابه بمن حكم أو يحكم بقدر اهتمامهم بتنمية الفعل السياسي العام، ذلك أن تطوُّر الفعل السياسي العام سيثمر فعلا سياسيا راشدا ترى نتائجه في الآجل والعاجل خيرا عاما تؤطّره الشفافية والصارمة والنزاهة بأعلى قيمة ممكنة، وهذا لا يتأتى أن يتحقق بغير إطارات متشبّعة بروح الشفافية في أصل وصولهم إلى مراكز القرار والسهر في الوقت نفسه على روح الشفافية في التفاعل مع الفعل السياسي سوءا كان مواليا أو معارضا.

التبعية في السياسية أن يكون المنتج للأفكار السياسية (الفاعل النظري في السياسة) أو المزاول لها بالفعل سواء كان رسميا (مالك شهادة ميلاد أو اعتماد إن شئت) أو غير رسمي (لا يحمل شهادة اعتماد ولا الميلاد التي تمنحها الإدارة) شارحا لمتن السلطة متفننا في تبرير اختياراتها، ومن ينتظر من هؤلاء وأشباههم إحداث وثبة سياسية وطنية راشدة كمثل من ينتظر الولادة من عاقر، والنظر الأوفق أن نخرج من منطق التبعية إلى المبادرة الراشدة التي لا تقصي أحدا، بل تبادر إلى إقصاء الإقصاء وكلّ متشبّث بمنطق الإقصاء، ذلك أن الإقصاء جريمة في حق المجموعة الوطنية من حيث أنّه منع لوطن من الاستفادة من كلّ طاقاته الحيّة، ذلك أنّ تحييد بعض الطاقات الوطنية من الحركية السياسية تقصير في حق الوطن يصل حدّ الجريمة السياسية في حق الوطن نفسه، إذ يمثّل حرمانا للوطن من استدرار خير  بعض أهله في الحركية السياسية.

بناء على ما سلف، فإنّ المبادرة السياسية الراشدة يتعيّن أن تستشرف أفق الوطن، وحرصنا على في المبادرة استحضرا أفق الوطن له ما يبرره منطقيا ومنهجيا، فهو الذي يمنح الفعل السياسي الوجهة ويوجد في الفاعلين السياسيين بواعث الفعالية السياسية  المؤطّرة بخدمة الوطن أولا وأخيرا، ذلك أن بقاء الأوطان أولى بمراحل ضوئية من بقاء فلان أو علان في السلطة، بل أولى من السلط نفسها، من هذا المنطق فالمبادرة تفرض التأكيد على أنّ إعادة تأهيل المزاولة السياسية التي ألفت التبعية في الاختيار السياسي المغلّف بالديماغوجية السياسية البالية، يتجاوز كونه غير نافع إلى كونه اختيارا ضارا بالمصالح العليا للوطن، ذلك أنّه يكرّس منطق الإقصاء السياسي المبطّن حينا والصريح في أحيان كثيرة.

المبادرة السياسية الفعلية التي تستشرف أفق الوطن هي تلك التي تحدث حركية سياسية حقيقية تستعيد كل الجزائريين معارضين وموالاة إلى الحضور الفعلي في السياسة، وهو الشرط الجوهري لانتظار وثبة سياسية وطنية حقيقية تسعف الشعب على مبارحة مدرجات الغيبة والتغييب، وتسترد غالب الشعب  إلى الحضور الفعلي في السياسة، وهذا لا يتم بغير قوى سياسية لها مصداقية عنده (لها جمهور في الشعب)، تعبّر عن آماله وتقاسمه عيش آلامه، هذه أبجديات التدريب على السياسة في إطارها الشعبي العام. وفضلا عمّا سلف، فإنّ الفراغ الذي أحدثته الغيبة السياسية للشعب بسبب غياب من تثق فيه من مؤطرين سياسين كان سببا في استلاف الإداري للفضاء السياسي، فلا الإدارة نجحت وانتهت السياسة إلى الفشل أو تكاد.

إنّ الإداري في الغالب العام (تحليل الظواهر الاجتماعية والإنسانية مبناها قاعدة الأغلب) لا يصلح لغير تسيير الملف الإداري والملف السياسية ليس ملفا إداريا، فالذي لم ينشأ في الفضاء السياسي ويزاول متطلباته من مرحلة الأصاغر إلى الكهول لا يمكن أن يفهم تداعيات الاختيارات السياسية الفاشلة، ولا يمكن أن يستوعب مشكلاتها إلا بقدر تصوّره للمشاكل الإدارية، السياسة قضية إرادة جمعية وليست قضية إدارية، تحتاج في حلّها إلى استعادة شعب برمّته إلى الفعل السياسي إنشاء واستبقاء وتنمية، وهذا لا يتم بغير قوى سياسية حقيقية، ليست مصطنعة ولا التي تتحركّ بالمنشطات (الممنوعة لما لها من  تأثير وخيم على الصحة السياسية العامة)، وإن شئتم راجعوا متناولي المنشطات في كلّ المجتمعات البشرية وفي كلّ الفضاءات، وإن كانت أظهر في الرياضة)، إذ فقد أغلبهم قوته الذاتية لأجل لحظة عابرة في تاريخه الشخصي، وأَثَرُه السلبي على نسله لا ينكر، فكان فيهم المشوّه والمريض مرضا يستعصى علاجه، فكذلك الحال في النسل السياسي للكيانات التي نشأت بالمنشطات وبقيت بها، وكلّما طال استهلاك المنشطات كان الخطر على الصحّة السياسية العامة أفتك.

المبادرة السياسية الحقيقية تستشرف أفق استعادة كل المجموعة الوطنية إلى الفضاء السياسي، فيضع بعض الشعب الأفكار والبعض الآخر يحوّلها إلى تدبير سياسي يتجلى في برامج سياسية؛ ويبني الثقة بها بقية المواطنين فلا يوجد من لا حاجة لنا به في السياسة بدءًا من الفرد البسيط وانتهاء بالنُخْب الواعية، إذ يمثّل الفرد البسيط اللبنة الأساسية لسياسة وطن بطريق راشد، فالفرد ليس صوتا نأخذه على حين غرّة أو بطريق التلاعب والديماغوجية السياسية البالية، بل هو سوط وصوت يسمع، يرفع ويخفض، طبعا هذا الكلام موجّه لمن ألقى السمع وانطبع في ضميره أنّ مصير الوطن من مصير أفراده، وأنّ الوطن الذي لا هيبة للمواطن فيه وطن لا يمكن أن تكون له هيبة، ذلك أنّ الدول تقيمها الشعوب وتطوّرها وتحرسها، وما السلط إلاّ وسائل الشعب في إقامة دولته.

قراءة 82 مرات آخر تعديل في السبت, 18 جوان 2022 10:06