الثلاثاء, 21 جوان 2022 07:45

الغرب والديمقراطية المستحيلة مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

الغرب في نظام السياسي يستشرف أفق إشراك المجتمع في العملية السياسية إنشاءً واستبقاء ومحافظة، ولكنّه قرص ذلك على شعوبهم فقط، فلا يهم أن تعيش سائر المجتمعات في ظل حكم استبدادي أو ديمقراطي، فهي سلعة سياسية للاستهلاك المحلي فقط، ويتحالف الغرب مع سدنته لحرمان المجتمعات غير الغربية من هذا الحق السنني (حق اختيار ما يرضون من نظام وحكومات)، وهم أوسع خطوا وأكثر تآمرا وأفتك وسيلة في حرمان المجتمعات الشرقية وخاصة المسلمة من الحق في الاختيار السياسي السيّد.

وبالرغم من السير الحثيث والواسع في تفعيل أكبر قدر من الديمقراطية السياسية إلا أنّها أبعد عن تحقيق أهدافها المدّعاة على مستوى المجتمعات المستهلكة للسلعة السياسية للديمقراطية، فما زال المال وتدفّق المعلومة وتطبيقات العلم هي التي تحكم بالمقام الأول، فلا حكم للشعوب لنفسها بنفسها، بل هو تحايل على الشعوب بواسطة التدفقات العالية للمعلومة، والتي لها وافر الأثر على توجّهات الرأي العام، وتكوين طبقات سياسية وهمية تسير بالمجتمعات نحو حتفها، وهي تختار في انتخاباتها بين السيّء والأسوأ، فكانت هذه المجتمعات "العريقة" في الممارسة الديمقراطية أوّل ضحاياها، وخاصة المستضعفين والطبقة الوسطى، فضلا عن كونها لم تستطع التحرر عقدة لون البشرة (الصراع أبيض أسود)، كما كانت هذه الديمقراطيات "العريقة" مقتبسة من ظلام العالم الثالث في صناعة الأوهام الأجنبية وخطرها على الدولة والوحدة الوطنية بل والخطر على"الإنسانية"، وهي من وسائل صرف نظر الرأي العام عن مشكلات الصحة وتأمينها(الضمان الاجتماعي) والبيئة والسكان والفقر والحروب و...

ولكنّنا لا نعدم مُنبَه في المجتمعات الغربية إلى هذا النوع من التلاعب بالرأي العام لصالح أصحاب المال المتحكمين في تدفقات المعرفة وتطبيقاتها، لهذا كان سننيا انتظار استفاقة المجتمعات الغربية بمختلف تمظهراتها من كونهم ضاحايا ديمقراطية لا تسمن من جوع وتحمي لا من حر ولا من قرّ، خاصة في ظل وعودها العريضة، فكان طهور حركات (الخضر) الاحتجاج السياسي أمرا ضروريا، وكان منتظر موت اليسار واليمين في السياسة، بل كان متوقّعا انتحار هذه الاتجاهات وظهور اتجاهات أكثر اجتماعية على المستوى التنظيري والتدبيري، (الاجتماعي الديمقراطي)..

وفي ظل تآكل هذين الأنموذجين (اليسار واليمين) تآكل من نتج عنهما من تدافع وهي الحركات النقابية في دول لها نضال عريض في نشأة العمل النقابي وتطويره، وما ظهور السترات الصفراء إلى مؤشّر قوي على فشل نقابات متحالفة مع المال ضد منتسبيها، كأنّها شبيهة محسّنة بنقابات العالم الثالث التي تمثّل رغبات الإدارة (السلطة) وتدافع عنها لدى منتسبيها، فعوض نقل انشغالات منتسبيه من الطبقة الشغيلة إلى السلطة بالنسبة للقطاع العام أو المؤسسات الخاصة في القطاع الخاص، لهذا كانت النقابات بمثابة زائدة دودية تخزّن فيها "الكفاءات" الفاشلة معرفيا ومنهجيا وتدبيريا..

لهذا، فالديمقراطية لدى أهلها مستحيلة التحقيق وبعيدة المنال في ظل إنسان متغوّل بالمال والمعلومة وتطبيقاتها، ومن كان هذا شأنه فهو عجاز عن الوفاء بما وعد منتخبيه به، فهل يمكن أن يدافع عن الديمقراطية في بلدان العالم الثالث التي تعيش استبدادا سياسيا تفنن في تشكيل فيالق النفاق السياسي والاجتماعي، ويمنع سننيا نشوء قوى التغيير السلمي، بل الأدهى من كلّ ذلك أنّ الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وسائر البلدان الغربية (إلاّ ما ندر) تتحالف مع كلّ من يمنع المجتمعات الشرقية من اكتشاف ذاتها الباعثة على تفعيل وجهة التحضّر وثقافته، ويركبون الصعب لأجل التشويش على المجتمعات الشرقية إذا ما تساءلت بشكل موضوعي عن القيم الباعثة على الاستقلال الحقيقي والتحضر، بل تتفنّن في إيجاد الحركات الضرار التي تهدد الشرق من الداخل بأفراد شرقيين وبأسماء شرقية، بتكليف فيلق الاغتيالات الفكرية، تتلخّص مهمّته في قتل أو تسميم كلّ ما ينفع المجتمعات الشرقية في القومة الحضارية المنشودة، والاغتيالات الفكرية أفتك بالمجتمعات من الاغتيالات المادية، وإذا عجّز "يبدع" في تجفيف المنابع بألف حيلة وحيلة، فإن فشلت الحيلة، ربط المصادر "بالمجاري" الفكرية الملوّثة للعلم والعمل على حدّ سواء، فيختار سدنته وخدمه بما به يصرفون الخلق عن القيم الباعثة على إيجاد وجهة التحضر والتثاقف النافع، وترى في واقعنا المعيش كثيرا من الممارسات التي تصرف جمهور المتلقين على القيم الباعثة على التحضر بما يستلونه من تطبيقات سيّئة في التاريخ، ولا يلجأ لمثل ذلك إلاّ من في قلبه زيغ يريد فتنة الناس عن القيم التي تجعل من انطبعت في نفسه منخرطا في مسار التحضر العام.ترى الغرب يُنشئ المدارس المشاغبة في ثقافة الأمة وحضارتها، يرعاها وسدنته لأجل قتل أوقات المجتمعات في المعارك التاريخية وصرفهم عن إمكان التفكير في صناعة تاريخ بالقيم فضلا عن صناعته بالفعل.

من هنا، فإنّ الغرب لا يريد ديمقراطية يريد منافعه ومنافعه فقط ولا شيء غيرها، فهو ليس جمعية خيرية بل هو جماعة صغيرة اتحدت فيها منافع المال والعلم وتطبيقاتها واجتمعوا على كلمة واحدة هي جعل العالم (كل العالم) مزرعة لهم، يمرضون المجتمعات استدرار أموالها بما ينتجونه من أدوية، ويحافظون على المرض بالمحافظة على المريض لأجل بيع الأدوية وتطوير الصناعات الصيدلانية وما تعلّق بها معارف (بيولوجيا، كيمياء، فيزياء، ...) لأجل المال ثم المال ولا شيء غير المال (الإله المعبود).

وانتظار أن يسهر الغرب على الديمقراطية، ولا سيَما كباره (الولايات المتّحدة الأمريكية) لا يختلف عن انتظار أن يأمر إبليس بالمعروف وينهى عن المنكر.

قراءة 71 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 21 جوان 2022 07:57