الجمعة, 24 جوان 2022 11:33

الديمقراطية الغربية والانتصار على الوثنية السياسية مميز

كتب بواسطة : مراقب

المثال الأعلى للحكم في الأزمنة المتأخرة هو الحكم الديمقراطي، وأن ما عداه من أنظمة لا تستحق أن تذكر في الأخبار أي أخبار إلا أخبار المقهورين، أو المغلوبين على أمرهم..الديمقراطية على عيوبها هي أفضل ما توصل إليه الإنسان في عهوده الأخيرة، حتى الآن، في إدارة صراعاته وتدبير شؤونه..والديمقراطية التي أتت بالعنصري المتعصب المتصهين الفظ ترامب هي التي طردته..والديمقراطية هي التي أتت بحاكم أسود لعهدتين رئاسيتين (أوباما) وانتصرت بهذا على العرق وعقود من التعصب الأعمى..وهذه الحادثة التاريخية دليل نجاح ما بشروا به من مبادئ ولو كانت النتائج متأخرة، ولا عيب فقد وصلوا، إنما العيب عند الذين لم تولد لديهم بعد أفكار كافية لهزيمة الوثنية التي قهرتهم وأذلتهم وأنستهم حتى لذة الشعور بالحرية والكرامة...والمسألة هنا ليست شخصا انتصر، بل المبدأ والفكرة، التي غابت عند الظاهرييم الجدد فأكل عقولهم التشخيص، إنما هو مثال فقط للتحرر المطلوب، وليست كل المحصلة مفرحة..والثقافة الديمقراطية تسمح بظهور نخب سياسية جديدة.

ولم تنتصر الديمقراطية على الدين، وإنما انتصرت على الوثنية والتعصب العرقي والوثنية السياسية...ليس ثمة ديمقراطية مستحيلة في الغرب، وإنما هناك ديمقراطية متطورة، وليست تجربة مقدنسة ومطهرة ومُبرأة من كل عيب، بل تجربة حكم أنقدت الأمم العملية من الوثنيات المتخلفة وترفّعت بها عن أنماط وثنية وعرقية بغيضة ما زالت تنخر في قلوب وعقول بعضهم، وهل كان يمكن بغيرها أن يتطور المجتمع الإنساني في تدبيره السياسي؟ لا يبدو ذلك ممكنا، ولم يعهد نموا مستمرا معروفا في تاريخ البشرية من دونها، وتجربة الراشدين زمن رشدنا الوحيد كما قررته وسمته القرون الواعية المفضلة، كانت تعي أن الاختيار العام هو سر النجاح، وأن التغلب والتوريث وثنية كسروية وقيصرية تترفع عنها، فلما غلبتنا الوثنية بررها بل شرّعها ضعفاؤنا لطغاتنا..

والغربيون لم يصلوا للحرية إلا لأنهم تعلموها وكتبوا عنها، ودرسوها وآمنوا بها وطبقوها ومات مئات الآلاف ليحققوها لأنفسهم ولأمتهم ولأبنائهم من بعدهم حتى تحرروا جميعا، أما نحن فلم نبدأ بعد، ولم يزل منا سخفاء وضعفاء وجهلة وملبّس عليهم، ومتعلمون يرون في الحرية والديمقراطية كلمات غريبة وكريهة، وأفكارا غير مفهومة، أو عليها تحفظات وحُجُب ينسجونها من جهلهم لا نهاية لها، أو يبالغون في نقدها في عقر دارها، كأنما هي مُقدس ينفث عنه أي خبث أو دنس وليس مُنتجا بشريا يطور تجاربه ويصحح عيوبه بنفسه..

وكان في تغيير سنة الراشدين انحرافا نحو الوثنية السياسية، وهذا الذي سبَب فتنا قامت ولم تقعد منذ ذاك، حاربها كبار الموحّدين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ولم يقبلوا بها، إلا مقهورين وليس للمقهور رأي، ولا للمغلوب اختيار، وستستمر الفتن والاضطرابات حتى تنتصر الديمقراطية على الوثنية..والحديث عن الديمقراطية كان في فترة من الزمن من المحرمات الفكرية في الغرب، وكان من يرفع هذه الشعارات يعد في الطبقات المجرمة والمعتدية، ولكنها منذ قرنين من الزمان أصبحت من أعلى طموحات الإنسانية، وفضيلة خلقية واجتماعية لا تنازع، وأصبح الكاذبون والديكتاتوريون المستغلون يرفعون شعارها حتى وهم يسرون بل وعلنا يمارسون استغلالها.

أما عن عيوبها، فلا يشك عاقل طرفة عين في مصائبها، والذين يناقشون من الغربيين مصائبها يناقشونها كما يناقشون حوادث السيارات والطائرات، ومصائب أخطاء الأطباء في المستشفيات، ليس ليلغوا الطب والمستشفيات بل ليصلحوها، ولا ليتراجعوا عن تقدمهم وتحضرهم ويرجعوا لعصر الدكتاتورية، وكذا إذا ذمّ الناس السيارة والطائرة فليس ليعودوا إلى عصر الحمار، ولهذا ينتقدون الديمقراطية ليطوروا هذه الآلية التي هي أحسن نظام إنساني للحكم طوره الناس في زماننا، ولعل من أسباب سقوط الدول المنهارة أنها لم تنتقد ولم تطور في حال قوتها وفترة حكمها.

وأما أن المال مضر جدا بالديمقراطية، فضرره كضرر حوادث السيارات، ولكن هذه المفسدة لا تلغي فوائدها العظمى، لأن الديكتاتورية تهدر المال أكثر من الديمقراطية وتحرم المحاسبة وتبيد المعارضة، وتدمر الروح والكرامة والخلق في الأمم المنكوبة بها..وبعضنا يعرف من الموضوع طرفه فيسيء له كله، ومن هؤلاء من يسمع نقد الديمقراطية فيتوقع أنهم يرقبون منه حلا؟ وهو لا يتصور حلا فضلا عن أن يعرف آلية تصحيح الديمقراطية لنفسها، وحتى إن كان في الديمقراطية شرون، فهي أخف شرا من غيرها..وللديمقراطية مصائب لكن أقدر على تصحيح نفسها وتجديد طبقتها السياسية من غيرها من النظم..

وفي المسارات المتنوعة للتحولات من الحكم الاستبدادي إلى الديمقراطية، لا يمكن القول إن ثمة مقياسا واحدا يناسب الجميع، أو إن هناك كراسة إرشادية بسيطة تحتوي على كامل "الممارسات المثلى" لمثل تلك التحولات، ولكن يمكننا أن نتعلم كثيرا من دروس التحولات الناجحة السابقة..ومسار التحديث السياسي الذي نتطلع إليه لا يسير في الاتجاه الذي سار فيه التحديث في الغرب، وإن كنا نأخذ من الغرب الديمقراطية والآليات الدستورية، لكننا لن نأخذ منه القيم، فالمجتمعات المسلمة حريصة على "الاستقلال الثقافي"، مثلما تحرص المجتمعات الغربية على استقلالها أيضا..أما كون الديمقراطية يونانية أو رومانية أو أمريكية أو فرنسية، فلأنها تعرضت في تلك المجتمعات لمزيد تعديل وتحوير وتنظيم، فأخذ الأقوياء التسمية والأسبقية كالعادة. ولأن مجتمعاتنا تخلت عن فطرتها السليمة في القبض على الحرية، وخضعت للمستبدين الذين أسلموها للغزاة، فقد غابت عنا الممارسة والفكرة منذ زمن بعيد، ما جعلنا نستنكر الحق وننحرف عن الفطرة مع المستنكرين؛ بسبب تدمير المستبدين للفطر السليمة، ولما اغتربت الفطرة اغتربت حتى ألفاظها وأوصافها، فلم يكن لنا بد من استقدام اللفظ الأعجمي لما غاب عنا شكله وحقيقته...

قراءة 68 مرات