السبت, 25 جوان 2022 12:00

في ذكرى انتخاب "مرسي"...انقلبت الدولة على رئيسها مميز

كتب بواسطة :

الذكرى العاشرة لانتخاب أول رئيس مدني في مصر (24 جوان 2012) منذ الإطاحة بالملكية، الرئيس الوحيد المنتخب من بين حكام مصر في العهد الجمهوري، وهو الطيب الصادق الديَن البريء من السياسة، الذي تحقق في عهده القصير، على شراسة التآمر عليه، من الحرية والكرامة ما لم يتحقق في أكثر تاريخ مصر الحديث..

في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، اصطفت القوى التي تُعرف بالليبرالية والعلمانية والقومية والنظام القديم خلف مرشحيها، على أمل أن توصل هذا المرشح للجولة الثانية من الانتخابات.في الجولة الثانية، وما إن أصبح واضحا أن معركة الرئاسة ستنحصر بين مرسي ومرشح النظام القديم، أحمد شفيق، حتى انحاز أغلب القوى والشخصيات الليبرالية والعلمانية والقومية لشفيق، أو امتنعت عن اتخاذ موقف واضح، آملة بفوز شفيق على أية حال.

كان الشعور السائد في هذه الدوائر، إلا قلة قليلة منها انحازت لمرشح الثورة، أن وصول مرسي للرئاسة أكثر خطراً عليها، على اعتبار أن قاعدته الشعبية الكبيرة وركيزته السياسية الإخوانية ستجعل منه رئيساً قوياً، تصعب إطاحته. ومعارضة الرئيس المنتخب، وتجنب التعاون معه ودعم حكومته، بدأت مباشرة بعد فوزه بالرئاسة، لم يكن يحكم حقيقة، انقلبوا عليه منذ أول يوم من رئاسته، ألَبوا عليه حلفاءهم وأوفياءهم وأتباعهم من القوى السياسية، عملوا على إفشاله بكل ما أوتوا من قوة ومال ومنابر دعاية وتحريض.

ثمة شعور لدى هذه القوى أن الدولة الحديثة هي دولتها، وأن إدارة شؤون هذه الدولة والتحكم في قيادها هو حق موروث لها وحكر عليها، وأنها وحدها من يفهم لغة هذه الدولة، من يعرف أسرار معبدها، ومن هو المؤهل للالتحاق بسلك كهنوتها.مثل هذا الوضع، وليس دعايات التفرد والسيطرة على أخطاء وثغرات وسوء تدبير أحيانا، من أفضى إلى تحول حركة الثورة والتغيير في المجال العربي إلى ثورة مُضادة أجهضت حلم الاختيار الحر وبناء دولة القانون..

منذ اليوم الأول للعام الوحيد لولايته الرئاسية عادته نواة الدولة، إذ لم تسلم مقاليدها لغرباء عليها منذ ولادتها قبل قرنين من الزمن، وعلى الرغم من انتقالها من خديوية عثمانية، إلى احتلال بريطاني، ومن مملكة شبه مستقلة ومستقلة، إلى جمهورية ضباط الجيش، لم تتعرض لمتغيرات جوهرية مفاجئة في بنيتها وشبكة مصالحها أو طرائق عملها...كان مرسي أول وافد غريب على هذه التركيبة والشبكة، ولم يكن مستغربا أن تستشعر مؤسسات الدولة الرئيسية الخطر من الوافد الجديد. وما إن بدأ مرسي في اتخاذ خطوات ملموسة لتغيير بنية وقيم وطرائق عمل الدولة، والمس بشبكة المصالح المرتبطة بها، حتى تحولت الخشية إلى خوف واستعداء.

في النهاية، وعندما شعرت مؤسسات الدولة وأذرعها الأمنية والعسكرية بالغة القوة والنفوذ، ودوائر رجال الأعمال والمصالح وثيقة الصلة، بأن وجود مرسي بات يهدد استمرار الدولة كما عرفوها، انقلبت الدولة على رئيسها، كل أجهزة الدولة، وليس ذراعها العسكرية وحسب..ولحظة الخوف والانتقام والخوف التي تدفع باللجوء إلى خطاب الحفاظ على الدولة واستمرارها، لن تحافظ في النهاية على الدولة ولا على استمرارها، بل ستستعيد خراب الدولة وإخفاقاتها التي أدت إلى انفجار الغضب الشعبي ابتداء.

ربما من أهم الدروس القاسية المُرة التي نستفيدها من الانقلاب على الرئيس الشرعي المدني محمد مرسي أن تركيبة وبنية الدولة معادية لأي تغيير حقيقي وترفض وافدا جديدا عليها، أو حتى من أبناء النظام لكن لا تثق في مسلكيته وانتمائه، تخشى على مصالحها منه وترى فيه تهديدا مباشرا لمصالحها وشبكاتها...ولهذا وجب مراعاة هذه المعضلة والبحث عن حل عملي ممكن لا يرى فيه كهنة النظام خطرا على مصالحهم ويحظى بقبول القوى التغييرية المعارضة، وإن لم يكن الأفضل ولكنه المُمكن.

لا يمكن إبعاد السلطة عن أي تسوية سياسية، وهي طرف في أي انتقال سياسي، وإلا أجهضت كل محاولة تغييرية ولو أفضى الأمر إلى محرقة وانقلاب عسكري دموي..وهنا لا نحتاج من جانب حركة التغيير السلمية لخطاب الشحن والثارات والانتقام ومنطق الاستعراض والتحدي وإنما للغة هادئة ومنطق حذر مستوعب يجمع بين المبادئ والممكنات..

وكان خطأ الإخوان في تقدير الموقف من الانتخابات الرئاسية، إذ إنهم أصروا على ترشيح رئيس من التنظيم، وتعنتوا وتصلبوا في موقفهم، وانغلقوا على خيارهم وتترسوا به، ونصحهم كثيرون داخل مصر وخارجها، وتقاطرت الوفود عليهم لمحاولة إقناعهم بأن يكون مرشحهم للرئاسة من خارج عباءتهم لئلا يؤلبوا الحكم والعسكر عليهم ويهيجوا مخاوف المتربصين بالتجربة الثورية في الداخل والخارج، لكن استبد بهم الشعور بالقوة واستهواهم التضخم واغتروا بالانتصارات في المعارك الانتخابية، واستغل هذا التضخم أعداء ينتقمون من الشعب ومن خياره، ويظهرون في لباس الواعظين الحريصين على الثورة...فكان ما كان من بقية القصة المعروفة المحزنة المفجعة..

 

قراءة 148 مرات آخر تعديل في الخميس, 30 جوان 2022 11:04