السبت, 02 جويلية 2022 08:54

فلسفة الثورة عند أبي القاسم سعد الله مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

انطلقت بعض النقاشات في الأوساط المثقّفة النخبوية خلال فترة الحراك (2019-2021) حول "سؤال الفلسفة في الحراك"، أو هل يملك الحراك فلسفة ثورية؟ بمعنى آخر ما هي نظرة الحراك اتجاه مواضيع مثل الدولة والمجتمع والثقافة والدين والاقتصاد وغيرها، وهل هناك إطار فلسفي يجمع بين مطالب الحراك، باعتباره ثورة سلمية ضد الأوضاع الراهنة، والنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي يريد إرساءه حال وصوله إلى السلطة.

وقد انتقد البعض عدم ظهور "فلسفة حراكية" أو غياب إطار نظري تتحرّك من خلاله الفواعل الحراكية وتبني على أساسه استراتيجيتها في العمل، أو تجيب من خلاله على تساؤلات مشروعة حول أسئلة مثل "ما العمل؟" و"ماذا بعد رحيل النظام؟" و"ما الهدف النهائي للحراك؟" لتوليد إجابات أكثر شمولاً ودقّة وتفصيلاً من مجرّد إجابات جاهزة أو مختزلة مثل "إقامة دولة مدنية" أو "رحيل النظام" أو "إرساء نظام ديمقراطي".

ويستحضر أصحاب هذا الطرح نماذج لثورات قامت على أسس فلسفية متينة، من بينها الثورة الروسية سنة 1917 التي قادها الفيلسوف الماركسي فلاديمير لينين، والذي أسّس لتيار فلسفي جديد في الماركسية يسمّى بـ"الماركسية اللينينية"، وقد كان لينين أحد الاستثناءات النادرة في التاريخ أين أُتيحت لمفكّر صاحب فلسفة واضحة المعالم والأهداف والآليات، أن يقود الثورة نحو النصر ويطبّق أفكاره وأيديولوجيته على أرض الواقع، وإن كانت صحته لم تسعفه ليرى مآلات أفكاره إلى نهايتها والنتائج المأساوية التي قادت إليها مع صعود الاتحاد السوفياتي، إذ إنّه عانى من المرض بعد فترة قصيرة من نجاح الثورة وتوفي في سنة 1924.

ولعل أحد أبرز من انتقد غياب النظرية الثورية لثورات الربيع العربي كان الباحث السياسي الإيراني آصف بيات في كتابه "ثورة بلا ثوّار"، وقد أرجع نصّار فشل تجارب الربيع العربي من بين أسباب أخرى، بالخصوص في مصر، إلى غياب النظرية الثورية. ويطرح نصّار في كتابه مقارنات مع تجربة الثورة الإيرانية التي نجحت في اقتلاع جذور نظام الشاه وإرساء نظام جديد.

ويتطرّق في كتابه إلى بعض السمات الفريدة لثورات الربيع العربي (الكثير من الباحثين اعتبروا الحراك الجزائري الذي انطلق في 22 فبراير 2019 موجة جديدة من موجات الربيع العربي، خصوصًا وأن ذات السنة شهدت انتفاضات في كل السودان ولبنان والعراق واحتجاجات محدودة في مصر)، من بينها أنّها لم تكن ثوريّة بمعنى الكلمة إذا ما قورنت بثورات السبعينات كالثورة الإيرانية أو ثورة نيكاراجوا أو كوبا، بل كانت هجينًا بين المطالب الثورية والإصلاحية؛ أما نقده الرئيسي والذي يهمّنا في هذا المقال فهو تطرّقه إلى قضية غياب الأيديولوجيا أو الإطار الفلسفي لثورات الربيع العربي، ويطرح مقارنات بينها وبين الثورة الإيرانية التي قامت على المزاوجة بين التوجهات اليسارية الاشتراكية والأفكار الإصلاحية الإسلامية، مرتكزة على أفكار كل من المفكر الإيراني علي شريعتي، والإمام الخميني.

لكن سؤال "فلسفة الثورة" في السياق الجزائري لم يولد اليوم فحسب، فقد أُثير منذ الثورة التحريرية التي اندلعت في الفاتح من نوفمبر، وبينما يرى البعض بأنّ غياب فلسفة واضحة للثورة الجزائرية راجع إلى أنّها كانت ثورة شعبية تبنّتها الفئات البسيطة ونظر إليها المثقّفون بنوع من التشكّك والتردّد كما يذهب إليه المؤرخ ناصر الدين سعيدوني، فقد فصّل في الإجابة على هذا السؤال، شيخ المؤرخين الجزائريين الأستاذ أبو القاسم سعد الله في مقال منشور في كتابه "أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر" بعنوان "عن تدوين تاريخ الثورة وتنظيرها"، في عنوان فرعي باسم "قضية تنظير الثورة"، وهو مقال في غاية الأهميّة يُنصح بالاطلاع عليه بشدّة.

يرى سعد الله بأنّ وضع نظرية فلسفية للثورة هي "عملية عفوية" تولد في خضمّ الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية للمجتمع، أي إنّه من المستحيل أنّ تولد بقرار فوقي أو بأمر من مجموعة ما، بل إن الثورة، حسب قوله: "هي تقمّص أو بلورة لمجموعة أفكار كانت في وقت من الأوقات ضائعة أو مضطهدة، فتأتي الثورة وتتبناها وتبعث فيها الحياة وتعطيها قوة الحركة، وحتى قوة الاعتداء والتسلّط"، ويستحضر هنا أمثلة للأفكار والمذاهب التي سبقت الثورة الفرنسية والتي تبنّتها البرجوازية مثل نظرية "العقد الاجتماعي" لروسو أو الفصل بين السلطات لمونتسكيو، بالإضافة إلى الثورة الروسية التي سبقتها عقود من نضالات الراديكاليين الثوريين والماركسيين وصولاً إلى لحظة لينين. "وتظلّ الفكرة الصالحة حيةً خامدة في تربتها إلى أن تجد من يتعهدها فتنمو وتزدهر وتظهر في شكل مذهب له قوة المقاومة وأحيانا في شكل ثورة دموية" يقول سعد الله.

ويؤكد سعد الله على نقطة في غاية الأهمية، وهي التي قد تفيد الحراك الجزائري وأيّ تحرّك ثوري في العالم العربي مستقبلاً، وهي أنّه "ليس من ضروري أن تسبق النظريات الثورة" بل من الممكن أن تتبلور الفلسفة الثورية بعد نجاح الثورة؛ خصوصًا وأن أزمة الثورات بطبيعتها تعطي أولوية للعمل والتحرّك والنشاط والحماسة أكثر مما تتيح المجال للتفكّر والتنظير. ناهيك عن أنّه لا يوجد حراك سياسي بدون نظرية أو أفكار دافعة، سواء كانت هذه الأفكار مدوّنة ومسطّرة في بين دفّتي كتاب، أو كانت متداولة بمصطلحات وكلمات شعبية بسيطة، أو من خلال شعارات وأغانٍ وأشعار بين عموم الناس. وبالعودة إلى نموذج الثورة الروسية، فإن ثورة 1917 قد سبقتها محاولات عديدة كان آخرها محاولة سنة 1905، لكن فشل هذه الثورة دفع بالحركات الثورية إلى وبلينين شخصيًا إلى التفكّر والتدبّر والقراءة بكثافة، من أجل انتهاز الفرصة التالية، التي تكلّلت بالنجاح بعد 12 سنة.

النقطة المهمّة التي يشير إليها سعد الله هو أن "المعاصرة قد تحجب الوجه النظري للثورة"، وهو ما يبدو واضحًا من خلال نظريات الثورة المتجددة في الميدان الأكاديمي، إذ إنّ الجامعات والأكاديميات الغربية تنتج بصفة دورية كتبًا ومقالات علمية تُعطي تصوّرات نظرية وفلسفية جديدة لمعنى الثورات وأسبابها وظروفها وشروط نجاحها ومحرّكاتها العميقة.

لعلّ أشهر الكتب في هذا الموضوع هو كتاب المؤرخ الأمريكي بارينجتون مور "الجذور الاجتماعية للديمقراطية والدكتاتورية"، هنا ينبغي التفريق بين الكتب والدراسات التي تتناول موضوع الثورات، والتي تركّز على جذورها الاجتماعية والاقتصادية وتتناول نسقها السياسي والاقتصادي بالتشريح والتحليل (مثل كتاب بارينجتون المذكور سابقًا، أو كتاب دراسات تحليلية للثورات لكرين برينتن)، وبين فلسفات الثورة، وهي النصوص المُشكّلة لوعي الثوّار وخيالهم السياسي والحضاري وأهدافهم الكبرى، ولعل النموذج المثالي لهكذا نصوص هو "المانيفستو الشيوعي" الذي حرّره كل من ماركس وإنجلز سنة 1848، والذي أصبح النصّ المؤسّس للثورات الشيوعية والحركات الاشتراكية في القرن التاسع عشر فصاعدًا، أو نصّ "ما العمل؟" الذي حرّره لينين قائد الثورة البلشفية سنة 1902، أو نظرية "العقد الاجتماعي" لروسو و"روح القوانين" لمونتسكيو وهي نصوص عصر الأنوار التي ألهمت الثورة الفرنسية.

كما يؤكد سعد الله على أنّ الثورة باعتبارها فكرة في المقام الأوّل لا ينبغي أن تتقيّد بالحدود التاريخية والجغرافية، بل إن طبيعة الثورات أن تُلهم العالم وتفتح آفاقًا إنسانية جديدة في الفكر والفعل معًا. يقول سعد الله في هذا السياق: "أعتقد أن نجاح الثورة هو الكفيل بتحويل الخاص إلى عام، والمبادئ إلى نظريات، وعلى الثورة (الجزائرية) أن تقنع الكتّاب وأرباب الفكر بأهمية مبادئها وفعاليتها وإنسانيتها، ذلك أنهم هم الذين يصنعونها في وقوالب نظرية خالدة سواء في ديوان شعر حالم، أو في كتاب فلسفي جاف، أو في رسالة سياسية ثائرة. 

في الجزء الثاني من المقال حمل عنوان "قدرة المثقف وتجربة المناضل"، يتطرّق سعد الله إلى خصوصية الثورة الجزائرية في كونها ثورة جماهيرية بالدرجة الأولى، فقادة الثورة كانوا من الجماهير الشعبية البسيطة القادمة من خلفيات عمّالية أو فلاحية بسيطة، عكس الثورات البرجوازية الأوروبية أو الثورة الروسية التي كانت قياداتها من المفكّرين والفلاسفة. ويشير إلى العلاقة القلقة بين الثورة الجزائرية والمثقفين الذين انضمّوا إليها بعد تردّد وخوف، كما أن الثورة إلى حدّ كبير فشلت في دمج المثقّفين في مؤسساتها وبقي دورهم هامشيًا لدرجة كبيرة وبعيدًا عن مراكز التأثير، ولعل تجربة مالك بن نبي مع قادة الثورة سواء خلال الثورة أو بعدها يؤكّد هذا المنحى. كما أنّ الثورات بطبيعتها تسبّق التطبيع على النظرية. "العمل أثناء الثورة كان يقود الفكر وليس العكس" يقول سعد الله.

ويرى سعد الله أنّ "تبنّي المثقف للثورة هو الذي سيجعله قادرًا على ملء الفراغ الذي يعاني منه تاريخ الثورة، كما يجعله قادرًا على هضم المبادئ الأساسية للثورة وصياغتها في قوالب نظرية قد تكون أساسًا لانطلاقة فكرية جديدة للثورة". أبو القاسم سعد الله أحد أهمّ المؤرخين الجزائريين - إن لم يكن أهمّهم على الإطلاق - ، ولا شكّ أن مقاله حول فلسفة الثورة الجزائرية، رغم قصره واختصاره، ينبغي أن يكون قراءة أساسية لكل المهتمين بهذا الموضوع.

في الجزء القادم من هذا المقال سأتطرق إلى كتاب بعنوان "فلسفة الثورة الجزائرية" للأستاذ بخاري حمانة؛ وذلك من أجل إثارة مجموعة من التساؤلات والأفكار والانطباعات، للتنقيب عن إجابات، ولو أوّلية، على سؤال "ما هي فلسفة للحراك؟".

المصادر:

* أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، سعد الله، الجزء الأول، ص 46.

* ثورة بلا ثوّار: مسعًى لفهم الربيع العربي، عبده موسى، مجلة عمران (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات).

* محاضرة ناصر الدين سعيدوني - المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

قراءة 147 مرات آخر تعديل في السبت, 02 جويلية 2022 09:07