الإثنين, 04 جويلية 2022 09:23

"الفريلانسرز"...هل يكونون طليعة الثورة الاجتماعية القادمة؟ مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

من المنظور الماركسي، فإن المحرّك الرئيسي للثورات الاجتماعية هي الصراع الطبقي. ويمكن القول بصفة عامّة أن الثورات في كلّ من فرنسا وإنجلترا كانت صراعًا بين الإقطاع والبرجوازية الصاعدة، أو الرأسماليين الذين ضاقوا ذرعًا بالقيود السياسية والاقتصادية التي يفرضها الإقطاع، والتي تعيق حريّة السوق وبالتالي تؤثّر في أرباحهم وأعمالهم التجارية والصناعية فيما بعد.

هذا التناقض بين الإقطاع والبرجوازية الرأسمالية، أي بين مصلحة التاجر والإقطاعي جرى حلّه بطرق مختلفة حسب الظروف الاجتماعية لكلّ بلد، ففي فرنسا انتهى هذا التناقض من خلال قطع رأس الملك، أما في انجلترا فإن الانجليز يفتخرون (حقًا أو باطلاً) بأنهم يحلّون تناقضاتهم البنيوية من خلال الأساليب السياسية الناعمة، ولذلك فإن آخر ثورة شهدتها البلاد كانت في منتصف القرن السابع عشر؛ ففي الوقت الذي شهد فيه المجتمع الانجليزي تناقضات شديدة وغليانًا حادًا بسبب أوضاع عمّال المصانع والاستغلال المأساوي الذي تسبّب فيه الرأسماليون خلال القرن التاسع عشر، من خلال الوفيات والإصابات والعاهات المستدامة وساعات العمل الطويلة التي كان يعاني منها العمّال، وعمالة الأطفال وغيرها من المآسي؛ ورغم أن كارل ماركس كان يتوقّع قيام الثورة البروليتارية في انجلترا، فإن مسار التاريخ والقدر كان له رأي آخر؛ إذ تفجّرت الثورة في روسيا، البلد الزراعي شديد التخلّف آنذاك.

ما يهمّنا في هذه المقدّمة المختصرة حدّ الإخلال، هو أن أحد أهم محرّكات التغيير السياسي والاجتماعي في التاريخ الحديث، هو التناقض أو الصراع بين طبقتين أو منظومتين:

1-طبقة اجتماعية شابة ونشيطة تملك استقلالية نسبية عن المنظومة السياسية والاقتصادية القائمة، وتمتاز بامتلاكها مصادر ثقافة مختلفة عما هو سائد، وتطوّر من خلال ذلك لغة وحقلاً دلاليًا خاصًا بها، وربما يتضمّن سخريّة من الوضع والمنظومة القائمة. 2-طبقة محافظة مرتكنة إلى أساليب الحكم القديمة، وتدافع عن الوضع القائم. حتى وإن رغبت هذه الطبقة بإجراء إصلاحات جزئية في هيكل النظام فإن خيالها السياسي ينتمي إلى عهد بائد، وبالتالي ستبقى رهينة تصوّرات ومقاربات عفى عليها الزمن.

يمكن هنا الاستشهاد بالحلّ العبقري لمحاربة الغشّ في الباكلوريا، وهو قطع الإنترنت عن ملايين المواطنين لمدّة أسبوع كامل، وإدخال السجن لكل من يشتبه بممارسته الغشّ.   من خلال هذه المقاربة، أرى أن طبقة العاملين عبر الانترنت، أو "الفريلنسرز"، هم المرشّحون لقيادة ثورة اجتماعية في الجزائر والوطن العربي بصورة عامة. ويُعرف العمل الحرّ أو "freelancing" بتقديم خدمات متنوّعة عبر الانترنت، مثل الكتابة أو البرمجة أو التصميم أو تحرير الفيديوهات أو التسجيل الصوتي، أو أيّة مادة من الممكن تبادلها عبر الانترنت دون الحاجة إلى التواجد الجسدي في بيئة العمل.

ما هي مميّزات هذه الطبقة التي قد تخوّلها للعب دور الفاعل الرئيسي في الثورة الاجتماعية؟ هنالك كثير من المميزات، لكن لعلّ أبرزها هي استقلاليتهم عن المنظومة السياسية والاقتصادية، ففي حين أن المعلّم أو الطبيب أو العامل في المصنع -وخصوصًا التاجر- يضع في حسبانه الفاتورة التي قد يحملها التغيير السياسي وما قد يجلبه من فوضى غير للاستقرار؛ وارتباطهم ارتباطًا عضويًا بمنظومة الدولة المتحكّمة في أجورهم وفي استقرارهم الوظيفي والمعيشي؛ فإن "الفريلانسرز" ليس لديهم أيّ ولاء اتجاه الدولة، ربما سوى خدمة الانترنت التي يدفعون ثمن اشتراكها، ليحصلوا في المقابل على خدمات رديئة، وهو ما يزيد من مشاعر الحنق والقهر لديهم.  

العامل الثاني هو الاستقلالية، إذ إن هذا النمط من العمل لا يحتاج إلى أيّة مساومات أو مفاوضات مع السلطة. فبينما طبقة رجال الأعمال وصغار التجّار وكبارهم، بداية بأصغر تاجر جملة إلى أصحاب المصانع الكبرى، هم في مفاوضات مستمرة مع السلطة، سواء من أجل تسهيل أعمالهم البيروقراطية أو للحصول على قروض وتسهيلات وإعفاءات ضريبية أو الحصول على صفقات عمومية، وهو ما يفتح الباب أمام الفساد ويربط مصالح هذه الطبقة بمصلحة الطبقة الحاكمة بصورة متبادلة، فإن "الفريلانسرز"، فقد قد هضموا مفاهيم السوق حرّة عبر الانترنت، بلا أيّة حاجة لوساطة لدى أية حكومة أو جهة عليا، إنما يشتغلون داخل منظومة تعترف إلا بالجدارة والكفاءة (meritocracy).

قراءة 91 مرات آخر تعديل في الإثنين, 04 جويلية 2022 09:32