الخميس, 21 جويلية 2022 19:34

"ياسمينة خضرا"...العسكرة وفرنسا يدا بيد مميز

كتب بواسطة :

حاولت البحث عن سرَ "الاحتفاء" الفرنسي بالروائي المدعو "ياسمينة خضرا"، فما وجدت إلا موضوع "الإرهاب" الذي رهن فيه تجربته الروائية، فأكثر رواياته عن "الإرهاب" أو موضوع قريب منه، وهذه عناوين بعضها: "بم تحلم الذئاب" و"سنونوات كابول" و"أرواح الجحيم" و"الصدمة" و"خليل"...ورواياته، في مجملها، تعيد إنتاج الأنماط الذهنية والنفسية الدعائية المكرورة دون أن تقدم جديدا أو تتسلح بجرأة الخيال وتتوغل في مناطق أخرى غير فكرة الثنائية المائعة المُبتسرة...

وظل يلاحق الظاهرة من الجزائر إلى أفغانستان إلى العراق إلى فرنسا وبلجيكا وحتى فلسطين المحتلة، من دون سبر ولا تمييز ولا غوص في الأعماق ولا عن جذورها وبيئتها الحاضنة وأدوافعها وأسبابها، ولم ير احتلالا ولا استبدادا، ولم ير من التطرف إلا ما كان شرقيا، أما إرهاب الغرب فهذا محجوب عنه، يُعالج الظاهرة بمنطق العسكرة وعقل بوش ولسان رامسيفيلد، ومفتون بفرنسا، فكافؤوه بنفخ واحتفاء...

وفي كل هذا، يتبنى رواية المستبد والمحتل، ويفسر التاريخ القريب على ضوء كتابة الغربيين له، وكأنه لا يحق لنا أن نفسره ولا أن نفهمه، ولا أن ندخل تعبيراتنا وتوصيفاتنا إليه ولو كنا نتحدث عن أنفسنا، فهم الأحق بإطلاق الألقاب والأوصاف دائما، فهذا الروائي لا يرى فينا إلا مستضعفين ومغلوبين ويجب أن نبقى كذلك، وليس لنا حق الفهم، لأن المحتفين به قرروا أننا مغلوبون تابعون، والمغلوب ليس له أن يخرج من دائرة المغلوبية أبد الدهر..

وللقاتل الغازي حق تفسير الأحداث وتعريف المصطلحات باستقلالية تامة، وعلى المغلوب ترديد صدى الموقف والفكرة، فهم الأصل، ولهم القول صناعته وتوجيهه، والآخرون الصدى. ويوم يقوم أي مجرم قادم من عالم الغرب، سواء أكان مسيحياً أم يهودياً أم ملحداً، فلا يصح ولا يجوز نقده ولا محاكمته، ومهما قام به من إرهاب خالص فيجب اعتباره عند المغلوبين مُحضِّرا ومحررا ويعمل على خير العالم وقبح الشر الإسلامي، حتى يوم يُبيد الأطفال في سوريا ويدمر البلاد، أو يقتل نصف مليون طفل عراقي فجرائمه مبررة، كما أشارت مادلين أولبرايت وزيرة خارجية أمريكا عن موت نصف مليون طفل عراقي..

وهكذا صنع التطرف الغربي ضد بلداننا المقهورة غربا أكثر تطرفا، وتفسير التطرف اليميني الغربي لا يمكن فصله عن تطرفه السابق، وكذلك لا يمكن فصل التطرف في الشرق أو العالم الإسلامي عن التطرف في العالم المسيحي الغربي. وفصل حالة عن الأخرى مجرد تحيز ورؤية جزئية أو تجاهل للحقيقة.. وبما أن اللغة يسبق احتلالها احتلال الأرض، حيث يمكن العبث بمصطلحاتها ومعانيها في مرحلة التهيئة للحرب، أو ما يُسمى بـ"طبول الحرب"، فإن كانت الحقيقة أول ضحايا الحرب فإن التضحية باللغة تسبق أي معركة، حيث تنحاز للقادر على العبث بها أكثر من غيره، وتنحاز لصاحب الصوت والمنبر والخطاب الأعلى تأثيرا.

واللغة هنا لا يُعنى بها الحروف والكلمات ولكن المصطلحات والتعبيرات والمعاني، فقد بلغ أمر احتلالهم للغة بعد احتلال الأرض والسماء والبر والبحر مؤديا إلى احتلال اللسان والعقل وأسلوب التعبير، وحتى بدأنا نستنكر ألسنتنا يوم نقول بعض الحقيقة ونستنكر آراءنا يوم نتحدث عن إرهابهم أو جورهم، وأصبح من بني قومنا، أعني من نفس العرق أو اللغة أو الجغرافيا، من يستنكر على نفسه لومهم ويدافع عنهم أكثر مما يدافعون هم عن أنفسهم، لأن المهزوم دائما يكون في دائرة الخطأ، والتشنيع، وتدور عليه دائرة عدم الثقة بالنفس، وهذا جانب واحد مما يسمى ثقافة الهزيمة، فالمهزوم لا بد له أن يقر بأن الأفكار التي يحملها ويؤمن بها هي سبب هزيمته، ويبلغ التشكيك بثقافته حد التشكيك ببدنه وعقله ولغته وجغرافيته، ليجمع في عقله كل دليل يؤيد كونه مهزوما دائما، وهذا الاحتلال العقلي واضح عند من يصبح ويمسي يهجو قومه..

وحين يسود الصمت على الغبن والمظالم فهذه خيانة للطرفين وأذى على الجانبين. ولا نضر أنفسنا وشعوبنا بالصمت عن الحقيقة، والقبول بإغواء مجتمعنا عن الصواب فقط، بل إننا نشارك في تضليل العالم المسيحي وإغفاله عن مصائبه التي يعلقها برقاب شعوبنا ومهاجرينا، ونُسهَل بالصمت على التطرفات بقاء إن لم يكن صعود لغة الانتقام المتبادل، والكل أحوج للوعي ولفهم الموقف وسماع صوت العدل والحق، وأن يقام له منبر، ولأواصر الحق والعدل أن تسود، وليتراجع ضجيج البهتان المضلل في العالم.

قراءة 544 مرات آخر تعديل في الخميس, 21 جويلية 2022 20:12