طباعة هذه الصفحة
الأحد, 24 جويلية 2022 11:41

الرموز بين الأصلية والضرار مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

يُعَدُّ سيّدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نهاية نماذج الكمال تصوّرا وتصّرفا، والمؤمن يقترب من الكمال بقدر اعتقاد كمال هذا الأنموذج (صلى الله عليه وآله وسلم) وانطباع صورة هذا الكمال في الضمائر واستحضارها في تقرير المصائر الفردية والجماعية في شعاب الحياة وتفاصيلها. من هنا، سيبقى سيّدنا (صلى الله عليه وسلم) أفضل شخصية مؤثّرة، على الإطلاق، في العالم فكرا وتفكيرا وتدبيرا للشأن الفردي والجماعي الأممي والإنساني.

إنّ رسول الله محمد (عليه الصلاة والسلام) هو عُمدَةُ واعتمادُ رموز الكمال المتشكّلة في تاريخنا الفكري والسياسي والاجتماعي والحضاري والتربوي، وينال قادة الفكر والتوجيه من الكمال بقدر ما تحلوا به من كمالاته (عليه الصلاة والسلام) التي تجلت أقوال وأفعال وأعماله (عليه الصلاة والسلام)، إنّها كمالات تسري في حياته الشخصية ببعدها الفردي والجماعي، لهذا فزيادة منسوب الخيرية ونقصانه مرتبط بمنسوب استشعار هذه المعاني وتمثّلها إنْ زيادة فزيادة، وإنْ نقصت نقص الكمال بحسب نقص الاقتداء.لهذا -ومن جانب إنساني صرف- فإنّ المنتقص من الإسلام بوصفه رسالة إنسانية بامتياز مضمونا ومسلكا فرديا وجماعيا، منتقص من إنسانيته الشخصية قبل أن ينتقص من الإسلام نفسه، والذي يرمي المنتسب إلى هذا الدين بكلّ ما يرفضه هذا الدين من تصوّرات وتصرّفات، لم يشم ريح الإنسانية، وإنْ ادّعاها؛ فهو كمن يبيع السلع المزوّرة للعالم، بقصد الإساءة إلى النسخة الأصلية، ظنا منه بأنّ السلعة الرديئة ستزهّد الخلق في السلعة الأصلية.

واقع التدافع الفكري -عبر العصور- يؤكّد أنّ الكَذَبَة لأجل دُرَيْهِمَات يدرها عليهم أعداء الأمة، وأخص بهم الذين لا يريدون للأمة أن تسترجع هويتها، وأن لا تكون مؤثرة أثرا إيجابيا في استقرار العالم وتنميته الحقيقية، هم مُحْتَقَرُون عند مستغليهم قبل أن يكونوا محتقرين في أمتهم وشعبهم ومجتمعهم، ذلك أنّهم يكذبون ويكذبون ويكذبون... سلسلة غير منتهية من الأكاذيب، ولا سلعة لهم غير الكذب، ومن فرط الكذب أن يلصق كل نقيصة لغوية بلغة قومه، وكل تشوهات فنية -  بسحب تقديره-  متأتاه من قومه وبني جلدته (إن كان له جلد مثلهم).

عندما ترى أحدهم يبشّر بالثقافة الغربية بطمس ثقافة مجتمعه، فهذا وبلا أدنى شكّ لا حظّ  له من الإنسانية، بل يسوّق ما يدندن به منها لأجل التمكين للإنسانية المدعاة من قبل الغرب، الغرب الذي يريد أن يكون هو معيار الخيرية وهو مصدر معيار الحكم بهذا التصرف أو ذاك من الخير أو الشر، هذا من غير أن يتساءل هؤلاء المسوّقة تساؤل الفيلسوف: من أعطى الغرب الحق في أن يكونوا معيارا للخير والشر؟ وهل أفعال الغربيين وأعمالهم وجرائمهم التي اقترفوها في حق الشرق وعالم المستضعفين هي خير  أم شر؟ ماذا فعلوا في أفغانستان والعراق و... وهي دوّل دمّرت بأكاذيب صريحة، وما قيمة الاعتذار عن جعل العراق قاعا صفصفا العراق بعد اجتثاث بنيته التحتية، وخاصة اعتذار أصحاب فكرة الهجوم عليه والرغبة المجنونة في تدميره(مثاله  التصريحات التي أدلى بها: بلير، وكولن باول، و...)، إنّهم فكّكوا أوصال أوطان كانت معاقد الأمل التنمية الشاملة في بلادنا الشرقية، ثم يتغنون بالإنسانية، فأيّ إنسانية تتحدُّون أيها الكَذَبَة؟ وأيُّ إنسانية تسوّقون يا أنصار الغرب من الرشقيين؟

إنّ الذي يعتبر الغرب المؤسسي وخاصة السياسي منه إنسانيا إمّا أنّه لا يفهم معنى الإنسانية في أبسط مفاهيمها، أو أنّه  وكيل معتمد لتسويق الأطروحة الغربية التي تسوّق بعنوان جعل العالم أكثر إنسانية، أوْ أنّه محكوم بعقدة كره الشرق لأسباب نفسية (سيكولوجية) أو اجتماعية أو تسلّطية أو أنّه طالب رغيف محسّن، كالمخلوقات التي تمشي على أربع.واقع التدافع صريح في أنّ الغرب لا يهتم بهذا الموضوع(الإنسانية)، وإذا لوّح باستعمالها في بعض البلدان فهو لأجل ابتزاز وقح للنظام السياسي والشعب، والابتزاز نفسه صريح في الدلالة على عدم إنسانية التصرّفات السياسية الغربية تجاه الشرق بصفة عامة.

ذلك أنّ المسألة الإنسانية غير لا تتجزّأ، وليست انتخابية  تختص بفرد دون  فرد، ولا بمجتمع دون مجتمع، إنّها قضية الإنسان حيث وُجِد الفرد المظلوم والمجتمع المهضوم الحقوق، إنّها بالنظر الإنساني لا تقبل التمييز بين الأفراد والمجتمعات، وهو ما تتصرف "الإنسانية" الغربية ومسوّقوها من الأدباء والفلاسفة بنقيضها تماما، وشاهد ذلك أنّ الشرقي تدكّ بيته ويدمّر وطنه ويقتل منه الآلاف دون أنْ يحرّك للغرب جفن، ولا يصدر قرارا إلا بقدر ما يخدم منافعه..

فالغرب تحكمه قاعدة المنافع الخاصة به -ليست مجتمعية إنّها الشركات الكبرى وأصحاب رؤوس الأموال، إذ بعض شعوبهم ضحايا- ولا شيء غيرها، ومن مقتضيات الحفاظ على هذه المنافع وتنميتها، وصرف الشعوب الشرقية عن وعيها الباعث على الاستقلال الحقيقي، يتفنّن الغرب في صناعة الرموز الضرار، بقصد التشويش على الرموز الفكرية والحضارية الأصلية، أو على الأقل شغل المجتمعات الشرقية بالترّهات، أو صناعة وعي مزيّف بالحقيقة الغربية وحقيقة الثقافة الشرقية، أو على الأقل تزييف الوعي بمتطلبات اللحظة الحضارية الراهنة، ولأجل تحقيق أهدافها في تدمير الوعي الفردي والجمعي تستعمل هذه الرموز الضرار تلك التي تتفنّن في استعمال المجهر المُكَبِّر(بدرجة مليون مرّة، وهو ما تتعاون على خدمته الدوائر البحثية الجامعية في الغرب) بقصد الكشف عن النقائص في البلاد الشرقية، والتعامي عمّا يُرى بالعين المجرّدة من خلل ونقائص في التصوّرات الغربية للحياة والإنسان والكون، فضلا عن التعامي عن التصرّفات الغربية  المسيئة للإنسانية في كلّ بلاد العالم وخاصة البلاد الشرقية.

ولعلّ من أهمّ مؤشرات الرموز الضرار توقيت ظهورها ومواضيع تدخلاتها، والتسهيلات التي تمنح لها في البلاد الغربية والشرقية، واستفادتها من وسائل الاتّصال ذات الانتشار الواسع تسوّق لما يهرفون به بعنوان الأدب والصحافة والفلسفة و...، فهناك خدمة متبادلة بين مؤسسات الاستبداد الغربي التي تريد "نمذجة" العالم من غير أن يستفيد الشرقي شيئا منها، فليس للشرقي أن يعيش الحرية السياسية وليس له أن يختار نظاما سياسيا بقاعدة شعبية واسعة، وليس له أن يحلم بنظام أرسخ في الإنسانية، نظام دولي جديد لا يستثني أحدا من الأسرة الإنسانية، نظام دولي قائم على أنّ للكلّ الحق في العيش والتنمية والتعليم و...؛ كل هذه المعاني مضروب بها عرض الحائط، فليس من حظ الشرقي ذلك، بل يتلخّص حظّه في التبعية ولا شيء غيرها، وعلى الرغم من وضوح ذلك تصوّرا وتصرّفا، تأتي الرموز الضرار لتجعل الشرقي أساس بلاء العالم، حتى أنّهم يتطوّعون في رمي الشرقي بكلّ الأحداث الشنيعة المرفوضة، عقلا وخُلُقًا وقبل ذلك دينا، التي تقع في الغرب، وإذا كذّبهم الواقع، لم يتكلّفوا حتى إصدار بيان اعتذار، لأنّهم بدون إنسانية وبدون ضمير، ضمائرهم جامدة غائبة إذا تعلّق الأمر بالشرقي، حاضرة متكلّمة إذا تعلّق الأمر بولي نعمتهم من الغربي.

واقع التدافع الفكري والسياسي شاهد على أنّ الغربي في مؤسساته السياسية وتحكّمها في تدفق المعلومة والصورة هم أساس ما يتضوّر فيه العالم من جوع معنوي (العلوم وتطبيقاتها) وجوع مادي (التحكّم في سوق البذور، وشروط المؤسسات المالية الغربية"الدولية" في التعامل مع البلاد الشرقية)، لماذا لا ترى الرموز الضرار ذلك؟، لأنّه يكفيها أن تكون ضرارا لتكون صمّاء بكماء عمياء إذا تعلّق الأمر بحق الشرقي، مُنْصِتة بإمعان، ومبصرة بدقة، ومتكلمة بإتقان هذا إذا تعلّق الأمر بالغرب ومصالحه.الرمز الضرار في الغالب يستشرف أفق التشويش على الرموز الأصلية أو شغل الرأي العام عن موضوع التنمية والتقدّم العلمي والتدبيري الفردي والجماعي، ولا يمكن أن يكون الرمز ضرارا بالمعنى المشار إليه إلاّ إذا كانت فطرته منكوصة، فتراه يتلذّذ بالعاملة والإساءة لأهله ودينه وقيم مجتمع، فيصوّر لغتهم وثقافتهم وأساتذتهم أبشع التصوير، ويخلع على الغرب لغة وثقافة كلّ شيء جميل، وهذا ليس مستغربا مِنْ مِنْ طُمِسَت فطرته الإنسانية، وصار يبشّر بإنسانية يُكَذِّبُ وصمها بالإنسانية تصوّراتها وتصرّفات قادتها (شاهده، حيث وضع الغربي قدمه فحظ المجتمعات الفقر والجهل والصراعات التي لا تنتهي)، وإمعانا في خدمة الغرب من قِبَلِ الرمز الضرار تراه يغيّب العناية بآلام مجتمعه وآلامه، ويبشّر بالحرية السائلة التي تذيب الشرقي لِيُعَاد تشكيله (صياغته) في قالب التبعية للغربي، أي أنّه يؤسس لمنع  الشرقي من أن يصبح صاحب حق في المزاولة السياسية والفكرية التي يريد، أي أنّه يستشرف أفق الغرب لكن من غير أن يصبح غربيا لما لها من متطلبات سياسية واقتصادية واجتماعية، بل ليصنع الغرب من الشرقي إنسان التبعية والإذلال السياسي والفكري ومن ثمّ الحضاري.

الرموز الضرار هي مصادر تزييف الوعي أو صناعة الوعي المزيّف بقصد صرف الجمهور العريض عن الرموز الحقيقية التي تشع فكرا ووعيا وإيمانا بقدرات الشعب على إحداث الوثبة التنموية المنشودة، ومهمٌّ تحليل توقيت (المحلي، الجهوي، والدولي، والإنساني) إظهار الرموز الضرار، ومعرفة تحليلية للمسوّقين لها، والجهات المنتفعة منها، لأنّ معرفتها يُسْعِفُ في التعرف على الرموز الأصلية تلك التي من ميزاتها الحرص على السلم الأهلي والتدافع السلمي سياسيا وفكريا واقتصاديا  أكثر من حرص مليون مسؤول رسمي على السلم والأمن العام، الرموز الأصلية بواعث القيمة المضافة في التغيير السلمي الراشد، الحريص على كلّ مقدّرات الوطن المادية والمعنوية.

قراءة 134 مرات آخر تعديل في الأحد, 24 جويلية 2022 12:05