السبت, 13 أوت 2022 08:10

طعن "رشدي" وفشل التطرف العلماني مميز

كتب بواسطة : مراقب

في مُخيَلة مجتمعاتنا الجريحة من الاحتلال ومن وكلائه في بلادنا وأرضنا، أن الفكرة الحديثة خاصة المنقولة عن عدوهم التاريخي ما هي إلا سموم، أو كما وصفها مالك بن نبي بأنها أفكار سامة، وهذه شعوب متوترة ومستعدة بالرد العنيف تجاه ما هو غربي المصدر أو يوحي بذلك، ويسودها الشك وعدم الثقة بما يصلها من صادرات فكرية أو سلوكية، وهي أشد ضد من تراهم سماسرة أو وكلاء فكريين للآخرين، في الوقت نفسه تحرص على تحقيق ما ترى أنه أفكارها وتراثها حتى حينما لا تعرف تطبيقه ولا طريقة التعامل معه، ولا تستطيع تجديده، ويسيطر عليها هاجس المكايدة والمخالفة في العمل به، مما يجعلها أحيانا تضر بنفسها وسمعتها وتنشر التشدد والقسوة..

والعلمنة في بلدان العالم الإسلامي تُفرض على المسلمين بالتطرف وبالإكراه، ولا يقبلونها طوعا لغربتها عنهم، لكنهم ينصاعون لأي دعوة باسم الإسلام حتى حين تنطوي على قسوة وعنف يخالف غايات الشرع ومقاصده. وللأسف يكفي عند بعضهم شعار الإسلام ليتغاضوا عن حقيقة محتوى ما يقدم لهم باسمه، وهذا خطر آخر يوشك أن يكون للأسف هو الرد على العلمانية الغربية، فيردون على العنف بالعنف، وتخبو منزلة الوعي ويضعف التوسط والاعتدال..

ومن أسباب فشل العلمانية: الأفكار المضادة لها، ومنها الثقة في عالمنا بأنها بضاعة فكرية مستوردة، وأنها كأي قيم الاستعمار وأفكاره تهدف لمضايقة الإسلام وطرده من الحياة الخاصة والعامة. ثم إنها في غالب البلدان الإسلامية ارتبطت بترجمة متطرفة للعلمانية الفرنسية، كما حدث في تركيا والشام وفي شمال إفريقيا وفي بلدان إفريقية وآسيوية كانت فرنسا تستعمرها. ثم إن المروجين للعلمانية في المشرق العربي كانوا غالبا من الأقليات التي تعودت الشعوب أن تحيطهم بالشبهات قبل أي مشاركة فكرية أو سياسية، ولم يغفر المسلمون لعلمانية البعثيين وربطوها بتلميذ فرنسا المسيحي ميشيل عفلق، فكان خطباء المساجد والوعاظ كثيرا ما يربطون حزب البعث بالشخص، وبالتالي بفرنسا المحتلة لبلدان عديدة من بلدان المسلمين وصاحبة التوتر المعاصر تجاه المسلمين أشخاصا ودينا وثقافة...

وها نحن اليوم نرى حصاد تطبيق هذه الأفكار العلمانية هزائم وتمزقا وتسلطا.. ومتى كسبت الشعوب عموما مكسبا من الحرية أو الديمقراطية فإن التيارات العلمانية ترجع إلى دينها الغربي المستورد، وتؤيد الدكتاتورية المذلة للشعب، وهنا يتبين ادعاؤهم الزائف بالديمقراطية والحرية، وللأسف حدث هذا في كل مرة...قد يحتج المثقفون الأتباع للمستبدين أنهم يعرفون بلدانهم أكثر من غيرهم، ويرددون ببغائية مقولة المستبدين القامعين بأنهم يفهمون الشعوب أكثر من غيرها، وهم أدرى بمن يصلح لحكمهم، وهذه أحقاد راسخة ضد الشعوب وحقها في الاختيار الحر..

وغالبا ما تكون ثقافة رؤوس العلمانيية في بلداننا خليط من ثقافة الإرساليات التبشيرية التي زرعت في عقولهم كراهية متوارثة ومترسخة ضد الإسلام وكل ما يمثله، ولهذا فقد كانت الحركة العلمانية العربية تعود إلى جذور إرساليات تبشيرية مسيحية أو إلى جذور الفكر الشيوعي، ثم زاد الطين بلة ما قامت به الليبرالية الغربية لإنشاء أولياء لها وتابعين يعادون المنظومة الشيوعية الشرقية، وهذا التيار يتغذى من جذور الثقافة الغربية المؤسسة على موقف معاد للثقافة العربية الإسلامية من جذوره. وما الخطاب العلماني الليبرالي المتظاهر بالحياد إلا تلطيف لموقف ثقافي عميق...

ومُعضلة من تستخدمهم السلطة أو بعض أجهزتها من مثقفين وسياسيين علمانيين لإجهاض التجارب وحركات التغيير أنهم تصوروا أنفسهم ملاك الشرعية الحقيقيين والوحيدين، ليس لكونهم يمثلون إرادة الشعب، فهذه عقدتهم الكبرى، بل لاعتقادهم بأنهم وحدهم يملكون القيم الحضارية والفكرية الضرورية لقيام نظام تقدمي يضمن تحقيق التحول الديمقراطي في معزل عن القوى "الرجعية" (كما يصفونها)، ويستخدمونهم لتدمير مستقبل واستقلال وحرية البلاد...

قراءة 84 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 23 أوت 2022 19:56