السبت, 03 سبتمبر 2022 14:21

من منطق المساندة إلى ثقافة الشراكة مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

ظهر مشروع التعليم الجامعي المعرف بـ(ل م د / LMD)، واتّفقت كلمة الأساتذة والباحثين -في سنواته الأولى- أنّنا نتدحرج إلى الهاوية على مستوى تحصيل العلم والمعرفة وتطوير الملكات البحثية لدى جملة الطلبة، نبّه إلى هذا الأمر كثير من الأساتذة شرقا وغربا ووسطا، بل يكاد أن يكون الحديث عن التدحرج أمرا ثابتا قارا لا ينكره إلاّ مكابر..

رُفِعَ الصوت بذلك في الجامعات والكليات والأقسام، وكلّ النقابات تقريبا صرحت على استحياء أنّنا نسير سيرًا حثيثا إلى أدرك دركات التحصيل والتكوين البيداغوجي والبحثي، فبقي الموضوع حبيس التداول الضيّق، ولم يتناول بصراحة في غير الجلسات الودية بين الأساتذة، بينما الرسميون بالرغم من تكرار الملاحظات عليهم لم يحرّكوا ساكنا، لأنّهم بالمختصر المفيد كانوا بمثابة كتبة حاشية على المتن الرسمي، يشرحون نصّه وينقلون رغبته إلى الوسط الجامعي، عوض القيام بعكس هذه المهمّة، وذلك بنقل شكاوى الأساتذة (رجال الميدان) من الخلل والعوار الذي سيصيب التعليم في مقتله، فيرديه بلا معنى وبلا مستوى..

مُنتهى ما يطمح إليه شهادات علمية أكاديمية أو بحثية، هي أشبه بشهادات وفاة العلم والمعرفة، ولم تكن النقابات بصفة عامة بعيدة عن روح هذا المسلك، فكانت في الغالب تنقل رغبات الإدارة إلى منتسبيها عوض القيام بعكسها، وها نحن اليوم نجرّ ذيول الخيبة والتقهقر البحثي والبيداغوجي في جامعاتنا، ما سبب هذا التدحرج؟ والسكوت عنه بل؟ وما مبررات عدم الخوض في ذلك بالرغم من أنّه يتعلّق بمستقبل الوطن والمجتمع والدولة؟

استوقفتني في سياق الإجابة عن السؤال المركزي المبيّن أعلاه، وخاصة في هذه الأيام، وجود جمعيات لم يتغيّر مسؤوليها منذ عشرات السنين، لماذا بيق هؤلاء في مصفّ المسؤولية كلّ هذه المدّة؟ أهم على مستوى من النباهة والعلم والحكمة بحيث لم يجد منتسبوهم والمجتمع بل والوطن غيرهم؟ أم أنّهم مختارون ليمثلوا رغبات السلطة لدى متسبيهم؟ أم هم معيّنون من قِبَلِ من لا يؤمن بغير لجان المساندة، وهل لهذا أن يقع في ظل الشفافية والوضوح؟

يأسف الإنسان العاقل في وطننا أنّنا ما زلنا نحتكم إلى التفتيش عن لجان مساندة في كلّ ميادين التأطير الاجتماعي والثقافي بل وحتى السياسي، ومن يختار هذا المسلك في التعامل مع مؤسسات المجتمع العلمية والثقافية والسياسية والتربوية والثقافية معناه لا يؤمن بالشراكة ولا بالتساند بين مكوّنات المجتمع والدولة، بل يرى نفسه هو الدولة، والمؤسسات المجتمعية هي جيب من جيوبه وليست قوّة اقتراح وتصحيح وترشيد للواقع الفكري والثقافي والتربوي والسياسي؟

غياب منطق الشراكة وبناء مؤسسات المجتمع المدني وما شاكلها من مؤسسات تأطير المجتمع على منطق المساندة، يحرمنا من تحميل هذه المؤسسات عبء الاختيارات والأخطاء المترتّبة عليها، ذلك أنّ غياب الشفافية يحرم هذه المؤسسات من المشاركة الفعلية في ترشيد الاختيارات فضلا عن الحرمان من التنبيه إلى الأخطاء فضلا عن تصحيحها بالفعل.

إنّ بناء مؤسسات المجتمع وتشكيلها بناء على منطق المساندة معناه التفتيش عن شرّاح للنص الرسمي وتبرير اختياراته، ومَنْ آثر غير ذلك فسيكون نصيبه الإهمال أو الرمي بالعمالة أو على الأقل تأثيم عدم موافقته للاختيارات الرسمية، وهو في حقيقة الأمر خطأ جسيم يصل حدّ التقصير في حقّ الوطن لعدم إسعاف مكوّناته على الإسهام الفعلي في الاسهام في وضع اختيارات جماعية، تلمّ شمل الجماعة الوطنية، أو على الأقل الإسهام في ترشيد  الاختيارات الرسمية وفحصها وتمحيصها ونقدها إن اقتضى الحال، بل والاستدراك عليها.

لا يتأتى تحقيق التحوّل من منطق لجان المساندة إلى التساند (الذي يعني مشاركة جماعية في بناء الوطن وصيانته وتنميته، لا فرق بين موالاة ومعارضة سواء تعلّق الأمر بالشأن الثقافي التربوي أو السياسي والاجتماعي والاقتصادي) إلاّ إذا أصبحت الشراكة ثقافة يتنفّس فيها المجتمع ومنها أهمية الجميع للوطن بناءً وتنميةً وحمايةً، عندما تكون الشراكة هي الرائدة والقائدة لعملية التنمية بمعناها الشامل، يكون الكلّ مهمًّا لبناء الوطن وحمايته، فليس هناك في الوطن من ليس مهمًّا لبنائه إلاّ من أقصى نفسه بصريح العبارة التي لا تحتمل التأويل. 

الشراكة تتحوّل إلى ثقافة إذا أصبح الجزائري في أي حلقة من حلقات المسؤولية أو في أي قلعة من قلاع المرابطة دون المجتمع يتصوّر بأنّ إشراك المجتمع أهمّ ما تتعلّق به الهمم، وهو من المهمّات المستعجلة التي تفرض البذل لها لأجل استعادة المجتمع للشأن العام، فهذا الشأن منه وإليه، ومجتمع معزول (بأي حيلة من الحيل؛ والتي منها منطق المساندة والرفض العملي لمنطق الشراكة) عن الشأن العام، دولته في خطر، وهل مؤسسات الدولة إلاّ مؤسسات المجتمع الذي يؤطّر نفسها بها، فالمؤسسات ليست أخت المجتمع بل هي مؤسساته التي يتعيّن في ظل ثقافة الشراكة أن تكون حريصة على إيجاد آليات التعبير عن إرادته السيّدة وتجسيدها لا أن تكون هذه المؤسسات صاحبة إرادة تريد فرضها على المجتمع، وهو المسلك التي تنبني عليه الدولة التي تفتّش عن لجان المساندة عوض منطق التساند وثقافة الشراكة.

إنّنا إنْ لم نحرص فعليا على منطق الشراكة بالسماح لتشكّل قوى سياسية ونقابية حقيقية أي ليست وهمية، كحرصنا على مجتمع مدني برصيده الشعبي الواقعي، نسير نحو شلل فكري ثم حركي ثم سياسي، ولا تمنع الأموال مهما كَثُرَت من حصوله، بل قد تكون مسرّعة له، فنصل إلى الشلل العصبي بسبب منطق رفض الشراكة المؤسس على منطق عصابة مقابل أخرى.استرداد الوطن لعافيته أو على الأقل للسير به في طريق العافية السياسية والاقتصادية والتربوية والفكرية و...لن يكون بمنطق لجان المساندة، لأنّها عندما يَجِدُّ الجِدُّ ستقفز من قارب أوشك على الغرق، سَتُلْصِقُ كلّ ما وقع باسمها أو نُسِبَ إليها بالسلطة لأنّ السلطة مبنية على منطق لجان المساندة، بينما منطق الشراكة الحقيقية أي غير المبنية على القوى الوهمية، تسمح بتحمّل الجميع أعباء الاختيارات النظرية وتطبيقاتها العملية.الطلب المستعجل أن نعمل جميعا -دون استثناء أو إقصاء- على إحياء ثقافة الشراكة في تقرير مصير الدولة والوطن..

ولتكن بدايتها قوى سياسية ناشئة راشدة ومجتمع مدني حقيقي أصيل، وجمعيات مهنية تحمل همّ منتسبيها  للوطن وفي الوطن، لأنّنا نستبعد أن تتحقّق لنا نهضة بجمعيات أكل عليها الدهر وشرب؛ تعبّر عن بقايا منطق لجان المساندة، هذا منطق التدحرج إلى أدرك دركات التخلّف، وهو منطق لا يسمح بغير إنتاج جيل منطقه (مات الملك يحي الملك) أي يحي مادام في السلطة فإذا أزفت أيامه كانوا أوّل نقّاده، لأنّهم برمجوا أنفسهم على السلطة لا على الوطن، والبرمجة على الوطن لها مقتضيات أهمّها ثقافة الشراكة عوض منطق المساندة المطلقة.

قراءة 94 مرات آخر تعديل في السبت, 03 سبتمبر 2022 14:35