الجمعة, 28 أكتوير 2022 17:54

سُمّ العصبيات المنغلقة مميز

كتب بواسطة :

من الخيانة المتكررة لمثقفين تأييدهم لتوجهات عنصرية حاقدة وعصبيات منغلقة، وكان من نتائجها الحرب العالمية الأولى ثم تكررت خيانة ثانية بتأييد مثقفين لقومية متطرفة "النازية" في الحرب الثانية. وعلينا استخلاص العبرة من التاريخ الأوربي، فقد انقلب الاستعمار في الضمير الأوربي إلى قومية عمياء، وسارت أوروبا من قبل في مسار الشطط القومي، فانتهى بها إلى الدمار في الحربين العالمتين الأولى والثانية.

وهكذا انتهت القومية الأوروبية (قومية الرجل الأبيض) المتعالية على بقية البشرية، المسوِّغة لنفسها الاستعلاء والإرهاب، إلى قومية ألمانية متعالية على بقية الشعوب الأوربية، تتبنّى أسطورة العرق الآري المختار التي جسدتها النازية بكل همجيتها...وأوروبا استخلصت العبرة الصحيحة من هذا المسار، بعد ما ذاقته من دمار، فاعترفت بفضائها الحضاري المشترك، وبدأت مسار وحدتها بعد الحرب العالمية الثانية، على أسس ليس فيها شطط قومي..

وليس هذا يعني طمس وكبت ودفن الانتماء القومي، كلا، فالانتماء القومي هو انتماء شرعي شأنه شأن كل الهويات الاجتماعية، لكن يحتاج إلى أن يتسع صدره للانتماءات الحضارية الأكبر والأهم، وهي الفضاءات الحضارية والدينية الأوسع، وهذا إذا أرادت المجتمعات أن تدير شؤونها وهوياتها المتعددة إدارة راشدة..أما أنَ كل مُكوَن يرى نفسه محور البلد ومركزه ورأسه ومنبته وشمسه الساطعة التي لا تأفل، فهذا يهدم ويدمر من حيث يظن أنه يحسن صنعا وينغلق على تاريخه وأمجاده..

وحين يتحول الانتماء القومي إلى مناقض للهوية الحضارية الأوسع، فإنه يفقد شرعيته، ويصبح أداة تمزيق وتفريق، لا رابطة جمع ووحدة. وهذا ما انتهت إليه عديد من القوميات التي ظهرت بالتزامن مع تفكك الإمبراطورية العثمانية، ومنها القومية التركية والعربية والكردية وغيرها. ومما يجب أن يُلتفت إليه اليوم هو ضرورة وصلُ الأرحام التاريخية والثقافية التي تقطّعت جرّاء الشطط القومي الذي صاحب تفكّك الإمبراطورية العثمانية..وقد صاحب تفكك هذه الإمبراطورية كثير من سوء الظن المتبادل، والصور النمطية السلبية المتبادلة بين الشعوب التي كانت تستظِل بتلك الإمبراطورية، إذ اجتهدت مختلف الشعوب في تحميل بعضها مسؤولية الآلام التي تعاني منها...

ومن أسباب ذلك أن عددا من المنظرين القوميين ظلوا، في الماضي والحاضر، يستبطنون منظورا متحيزا ضد جنس أو عرق مصدرا للولاء والانتماء، رغم أنه من الناحية العرقية ربما لم يعرف التاريخ البشري امتزاجا للأعراق والأقوام في أي حضارة بارزة، مثلما حدث في تاريخ الحضارة الإسلامية، فاندرجت فيها أمم وأقوام..ومن المهم إدراك أن إدارة الهويات المتعددة إدارة راشدة تُثمر الانسجام الاجتماعي والثراء الثقافي والامتزاج العرقي، وأما الفشل في ذلك فيفضي إلى التحيز الثقافي والعرقي والصور النمطية الاختزالية وضعف الثقة بين مكونات المجتمع، ونشر الكراهية البغيضة والانفجارات الاجتماعية والسياسية والمناطقية. والدفع بتحويل الجغرافيا القومية إلى كيان قومي ذاتي محاولة مدمرة، وستفتح أبواب جهنم على البلد وأهله..وهناك بعض المتربصين والمتطرفين والعنصريين ينفخون في هذه الدعوى الجاهلية النتنة.ومن النضال الحقيقي، اليوم، ضد الاستبداد والطغيان: النضال ضد غلوَ التوجهات القومية وانغلاقها....

ومشاريع الاستنساخ القومي من التجربة الدموية الأوروبية يعني حربا جاهلية مفتوحة...وحين نكون صدى لغيرنا من أهل الجهالة والاستشراق والعتوَ في الأرض والنفخ في العصبيات والعنصريات، فإنه لا يمكننا أن نبني مستقبلا ونصنع تغييرا حقيقيا، فسُمَ العصبيات المنغلقة ينخر عقولا ومجموعات ويفتك بالمبادئ والقيم في مجتمعاتنا....ونغشَ أنفسنا يوم نستسلم لخطاب مخادع وكاذب ومشوه، ونفتح بالصمت والاستسلام للخطاب الهدام طريقاً للتزييف والتحريف...

وكثير من صراعات المنطقة مُملاة عليها من خارجها، وبالتالي فالمواقف المتخذة بشأنها ليست دائما من أجل أهلها، وقد لا تصب في مصلحتهم، فالمتربص يستخدم الدين والسياسة والاقتصاد والمذهب والعرق والشيخ والليبرالي في حرب دائمة تضمن انتصاره دائما مع بقاء الضحية ناقة حلوباً في إنائه، والاستبصار هنا يقوم على تعديل في اتجاه الخطاب، وتغيير لبعض محتوياته، ومن الخير لنا جميعنا عاجلا وآجلا أن ننزع فتيل الفتنة، وألا نجعل من بلادنا منطقة تبعث فيها خلافات الماضي الداخلية، ولا منابر الأحقاد من الخارج، وعلى الجميع أن يُدرك أن في التعصب لبعض الأفكار أو أفكار أسلافنا ضعفاً، يدمر حاضرنا ومستقبلنا..  

قراءة 122 مرات آخر تعديل في الجمعة, 28 أكتوير 2022 20:06